سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٣٨٨ - ذكر إرسال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حذيفة بن اليمان رضي اللّه عنه ليكشف له خبرهم
أبو بكر: يا رسول اللّه ابعث حذيفة، فقلت: دونك و اللّه، فمرّ عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و ما عليّ جنّة من العدو و لا من البرد إلا مرطا لامرأتي ما يجاوز ركبتي،
قال: فأتاني و أنا جاث على ركبتي فقال: «من هذا؟» فقلت: حذيفة، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «حذيفة». فقال حذيفة:
فتقاصرت للأرض، فقلت: بلى يا رسول اللّه، كراهية أن أقوم، قال: «قم»، فقمت، فقال: «إنه كائن في القوم خبر، فأتني بخبر القوم». فقلت: و الذي بعثك بالحق، ما قمت إلا حياء منك من البرد. قال: «لا بأس عليك من حرّ و لا برد حتى ترجع إليّ». قال: «و أنا من أشدّ الناس فزعا و أشدّهم قرّا»، فقلت: و اللّه ما بي أن أقتل، و لكن أخشى أن أوسر، فقال: «إنك لن تؤسر»، قال:
فخرجت، فقال: «اللهم احفظه من بين يديه و من خلفه و عن يمينه، و عن شماله، و من فوقه و من تحته». قال: فو اللّه ما خلق اللّه تعالى في جوفي فزعا و لا قرّا إلا خرج، فما أجد فيه شيئا، فمضيت كأنما أمشي في حمّام، فلما ولّيت، دعاني فقال: «يا حذيفة، لا تحدثنّ في القوم شيئا حتى تأتيني».
و في رواية: فقلت: يا رسول اللّه مرني بما شئت، فقال (صلّى اللّه عليه و سلم): «اذهب حتى تدخل بين ظهري القوم، فأت قريشا، فقل: يا معشر قريش، إنما يريد الناس إذا كان غدا أن يقولوا: أين قريش؟ أين قادة الناس؟ أين رؤوس الناس؟ فيقدّموكم، فتصلوا القتال فيكون القتل فيكم، ثم ائت بني كنانة فقل: يا معشر بني كنانة، إنما يريد الناس إذ كان غدا أن يقولوا: أين بني كنانة؟
أين رماة الحدق فيقدّموكم، فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم، ثم ائت قيسا فقل: يا معشر قيس، إنما يريد الناس إذا كان غدا أن يقولوا: أين قيس؟ أين أحلاس الخيل؟ أين الفرسان؟
فيقدّموكم، فتصلوا القتال، فيكون القتل فيكم».
فقال حذيفة: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت في ضوء نار لهم توقد، و إذا رجل أدهم ضخم يقول بيده على النار و يمسح خاصرته، و حوله عصبة، قد تفرق عنه الأحزاب، و هو يقول: الرّحيل الرّحيل و لم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الرّيش فوضعته في كبد القوس لأرميه في ضوء النار، فذكرت
قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا تحدثنّ في القوم شيئا، حتى تأتيني»
فأمسكت و رددت سهمي. فلما جلست فيهم أحسّ أبو سفيان أن قد دخل فيهم غيرهم، فقال: ليأخذ كل رجل منكم بيد جليسه، و في لفظ: فلينظر من جليسه. فضربت بيدي على يد الذي عن يميني فأخذت بيده، فقلت: من أنت؟ قال: معاوية بن أبي سفيان، ثم ضربت بيدي على يد الذي عن شمالي فقلت: من أنت؟ قال: عمرو بن العاص، فعلت ذلك خشية أن يفطن بي فبدرتهم بالمسألة، ثم تلبّثت فيهم هنيهة. و أتيت بني كنانة و قيسا، و قلت ما أمرني به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم دخلت في العسكر، فإذا أدنى الناس منّي بنو عامر، و نادى عامر بن علقمة بن علاثة: يا بني عامر، إن الريح قاتلتي و أنا على ظهر، و أخذتهم ريح شديدة، و صاح