سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٨ - تنبيهات
من قتلى أحد،
ثم يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟
فإذا أشير له إلى أحدهما قدّمه في اللّحد،
و قال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة،
و أمر بدفنهم، و لم يصلّ عليهم، و لم يغسّلوا» و لا يخالف هذا ما رواه الشيخان، و أبو داود و النّسائيّ، عن عقبة بن عامر رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) صلّى على قتلى أحد بعد ثمان سنين صلاته على الميّت كالمودّع للأحياء و الأموات [١]. لأن المراد بالصلاة هنا الدّعاء، و قوله: صلاته على الميت المراد به كدعائه للميّت من غير نيّة و لا تكبير.
قال الإمام الشافعيّ رضي اللّه عنه: جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة: أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) لم يصلّ على قتلى أحد، و ما روي أنه (صلّى اللّه عليه و سلم) صلّى عليهم و كبّر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصحّ، و قد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه، قال: و أما حديث عقبة بن عامر فقد وقع في نفس الحديث أن ذلك كان بعد ثمان سنين، يعني و المخالف يقول: لا يصلّى على القبر إذا طالت المدة، قال: و كان (صلّى اللّه عليه و سلم) دعا لهم و استغفر لهم، حين علم قرب أجله توديعا لهم بذلك، و لا يدلّ ذلك على نسخ هذا الحكم الثابت.
الحادي و العشرون: اختلف في عدّة من ثبت مع النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم)، فروى البخاريّ و أبو نعيم، و الإسماعيليّ و اللفظ له، عن معتمر بن سليمان التّيميّ عن أبيه قال: سمعت أبا عثمان يعني النّهديّ يقول: لم يبق مع النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) في بعض تلك الأيام- و في رواية: التي يقاتل فيهنّ- غير طلحة و سعد، قال سليمان: فقلت لأبي عثمان: و ما علمك بذلك؟ قال: عن حديثهما، يعني أنّ سعدا و طلحة أخبرا أبا عثمان بذلك.
قال الحافظ: و هذا قد يعكّر عليه ما ورد أنّ المقداد كان ممّن بقي معه، كما تقدّم في القصّة في حديث سعد، لكن يحتمل أن المقداد إنما حضر بعد الجولة، و يحتمل أن يكون انفرادهما معه في بعض المقامات، و قد روى مسلم من طريق ثابت، عن أنس قال: أفرد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم أحد في سبعة و رجلين من قريش، و كان المراد بالرجلين طلحة و سعد، و كان المراد بالحصر المذكور تخصيصه بالمهاجرين، كأنه قال: لم يبق معه من المهاجرين غير هذين، و يتعيّن حمله على ما أوّلته، و أن ذلك باعتبار اختلاف الأحوال، و أنهم تفرقوا في القتال، فلما وقعت الهزيمة فيمن انهزم و صاح الشيطان: «قتل محمد»، اشتغل كلّ واحد بهمّه و الذّبّ على نفسه، كما في حديث سعد، ثم عرفوا عن قرب ببقائه فتراجعوا إليه أولا فأوّلا، ثم بعد ذلك كان يندبهم إلى القتال فيشتغلون به.
[١] أخرجه البخاري ٧/ ٤٠٤ (٤٠٤٢) و مسلم في كتاب الفضائل (٣١).