سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٤٥ - تنبيهات
الحادي عشر:
قول عليّ رضي اللّه عنه: «ما سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول لأحد: فداك أبي و أمّي إلا لسعد يوم أحد». رواه البخاري [١] و غيره،
و روى أيضا عنه: «ما جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بين أبويه لأحد إلا لسعد»
[٢].
قال في الرّوض: و الرواية الأولى أصحّ، و اللّه أعلم، لأنه أخبر أنه لم يسمع، و قد قال الزّبير بن العوام: إنه (صلّى اللّه عليه و سلم) جمع له أيضا أبويه، كما رواه الزبير بن بكّار في كتاب النّسب.
قال السّهيليّ: و فقه هذا الحديث أنّ هذا الكلام جائز لمن كان أبواه غير مؤمنين، و أمّا إذا كانا مؤمنين فلا، لأنّه كالعقوق لهما، كذلك سمعت شيخنا أبابكر بن العربيّ يقول في هذه المسألة. قلت: قال الإمام النوويّ في كتابه «حلية الأبرار»: المذهب الصحيح المختار أنه لا يكره قول الإنسان لغيره: فداك أبي و أمي، أو جعلني اللّه فداك. و قد تظاهرت على جواز ذلك الأحاديث المشهورة في الصحيحين و غيرهما، و سواء كان الأبوان مسلمين أو كافرين، و كره ذلك بعض العلماء إذا كان مسلمين.
قال النحاس: و كره مالك بن أنس: «جعلني اللّه فداك»، و أجازه بعضهم. قال القاضي عياض (رحمه اللّه): ذهب جمهور العلماء إلى جواز ذلك، سواء كان المفدّى به مسلما أو كافرا. قال النّوويّ: قد جاء من الأحاديث الصحيحة في جواز ذلك ما لا يحصى. و قد نبّهت على جمل منها في شرح صحيح مسلم، و المراد بالتفدية التعظيم و الإجلال، لأن الإنسان لا يفدّي إلا من يعظّمه، و كان مراده بذلك نفسي، أو من يعزّ عليّ في مرضاتك و طاعتك.
الثاني عشر: يأتي الكلام على شرب أبي سعيد الخدريّ دم النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) في الخصائص.
الثالث عشر: اختلف في سبب نزول قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ [آل عمران ١٢٨] فروى ابن أبي شيبة و الإمام أحمد و الشّيخان عن أنس رضي اللّه عنه، و ابن جرير، عن قتادة، و عبد الله بن حميد عن الحسن، و ابن جرير عن الربيع: أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كسرت رباعيته يوم أحد، و شجّ وجهه حتى سال الدّم على وجهه،
فهمّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن يدعو عليهم فقال: «كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيّهم، و هو يدعوهم إلى اللّه و يدعونه إلى الشّيطان، و يدعوهم إلى الهدى و يدعونه إلى الضّلالة، و يدعوهم إلى الجنّة و يدعونه إلى النار»
فهمّ أن يدعو عليهم، فنزلت، فكفّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عن الدّعاء عليهم [٣].
[١] أخرجه البخاري في كتاب الأدب (٦١٨٤).
[٢] أخرجه البخاري في كتاب المغازي (٤٠٥٩).
[٣] أخرجه البخاري في كتاب المغازي معلقا ٥/ ٢٢٣ و مسلم ٣/ ١٤١٧ (١٠٤- ١٧٩١).