سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠١ - ذكر تعظيم أجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بما فعله معه المشركون
قال الزّهريّ: «السّهام التي رمى بها سعد يومئذ كانت ألف سهم».
و روى ابن عائذ عن يحيى بن حمزة مرسلا، عن سعد بن أبي وقاص قال: رميت بسهم فردّ عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و سهمي أعرفه، حتى واليت بين ثمانية أو تسعة، كل ذلك يردّه عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فجعلت هذا السهم في كنانتي لا يفارقني.
و روى البخاري و الحسن بن عرفة، عن سعد قال: نثل لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كنانته يوم أحد، و قال: «ارم فداك أبي و أمّي».
روى البخاري عن عليّ رضي اللّه عنه قال: ما سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك،
سمعته يقول يوم أحد: «يا سعد ارم فداك أبي و أمّي».
و روى أيضا عن سعد قال: «لقد جمع لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم أحد بين أبويه كليهما، يريد حين
قال: «فداك أبي و أمي، و هو يقاتل»
[١].
قال محمد بن عمر (رحمه اللّه): كان رجال من المشركين قد أذلقوا المسلمين بالرّمي منهم حبّان بن العرقة، و أبو أسامة الجشميّ.
فجعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول لسعد: «ارم فداك أبي و أميّ»
و رمى حبّان بسهم فأصاب ذيل أم أيمن و كانت تسقي الجرحى، فانكشف عنها فاستغرب عدوّ اللّه في الضحك، فشقّ ذلك على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)
فدفع إلى سعد [بن أبي وقّاص سهما] لا نصل له، فقال: «ارم به»، فوقع السهم في ثغرة نحر حبّان، فوقع مستلقيا و بدت عورته، فضحك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حتى بدت نواجذه، ثم قال: «استقاد لها سعد أجاب اللّه دعوتك و سدّد رميتك».
و كان مالك بن زهير أخو أبي أسامة الجشميّ و هو و حبّان بن العرقة قد أكثرا في المسلمين القتل بالنّبل، فرمى سعد مالكا بسهم أصاب عينه، حتى خرج من قفاه و قتله. و قاتلت أمّ عمارة نسيبة- و هي بمهملة و موحدة مصغر على المشهور، و عن ابن معين و الفربري ككريمة- بنت كعب المازنيّة يومئذ، فلما انهزم المسلمون انحازت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و باشرت القتال، و جعلت تذبّ عنه بالسيف، و ترمي عن القوس. و لما قصد ابن قمئة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) اعترضت له و مصعب بن عمير، و ضربت ابن قمئة ضربات، و لكن عدوّ اللّه كان عليه درعان، و ضربها هو بالسيف فجرحها جرحا عظيما، صار له فيما بعد غور.
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم):
«لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان و فلان» و قال: «ما التفتّ يمينا و لا شمالا إلا و أنا أراها تقاتل دوني». و قال لابنها عبد الله بن زيد بن عاصم:
«بارك اللّه
[١] أخرجه البخاري ٥/ ١٢٤ و ذكره ابن كثير في البداية و النهاية ٤/ ٢٧.