سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٢ - ذكر تعظيم أجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بما فعله معه المشركون
تعالى عليكم أهل بيت، مقام أمّكم خير من مقام فلان و فلان، و مقام زوج أمك غزيّة بن عمرو خير من مقام فلان و فلان، رحمكم اللّه أهل بيت».
قالت أمّ عمارة: «ادع اللّه تعالى أن نرافقك في الجنة»، قال: «اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة».
قالت: «ما أبالي ما أصابني من أمر الدنيا».
قال البلاذريّ: شهدت نسيبة يوم أحد و زوجها و ابناها، و خرجت معها بشنّ لها تسقي الجرحى، فقاتلت و جرحت اثني عشر رجلا بسيف و رمي، و كانت أول النهار تسقي المسلمين، و الدّولة لهم، ثم قاتلت حين كرّ المشركون، و قاتلت يوم اليمامة فقطعت يدها و هي تريد مسيلمة الكذاب لتقتله. قالت: «ما كانت لي ناهية حتى رأيت الخبيث مقتولا و إذا ابني عبد الله بن زيد يمسح سيفه بثيابه، فقلت: أ قتلته؟ قال: نعم، فسجدت للّه شكرا».
و روى ابن سعد عن موسى بن ضمرة بن سعيد عن أبيه قال: أتى عمر بن الخطاب بمروط و فيها مرط جيّد واسع، فقال بعضهم: لو أرسلت به إلى زوجة عبد الله بن عمر صفية بنت أبي عبيد. فقال: «ابعثوا به إلى من هو أحق به منها، إلى أمّ عمارة نسيبة بنت كعب،
فإنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «ما التفتّ يمينا و لا شمالا يوم أحد إلا رأيتها تقاتل دوني» [١].
و انحاز (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى الجبل لينظر أمر الناس، و ليعرفه أصحابه، فيقصدوه، فأدركه المشركون يريدون ما اللّه تعالى حائل بينه و بينهم، فدثّه جماعة بالحجارة حتى وقع لشقّه.
و روى النّسائيّ و البيهقيّ بسند جيّد عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما قال: انهزم الناس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم أحد، و بقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار، و طلحة بن عبيد اللّه، و هو يصعد في الجبل، فلحقهم المشركون، فقال: «ألا أحد لهؤلاء؟» فقال طلحة:
أنا يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «كما أنت يا طلحة»، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول اللّه. فقاتل عنه، و صعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و من بقي معه من أصحابه، ثم قتل الأنصاريّ، فلحقوه فقال: «ألا رجل لهؤلاء؟» فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مثل قوله، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول اللّه، فقاتل و أصحابه يصعدون في الجبل، ثم قتل الأنصاريّ، فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول، و يقول طلحة: أنا يا رسول اللّه فيحبسه، و يستأذنه رجل من الأنصار للقتال، فيأذن له، فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة، فغشوهما، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «من لهؤلاء يا طلحة؟» فقال: أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله، و أصيبت أنامله، فقال: حسّ، فقال: لو قلت: بسم اللّه لرفعتك الملائكة، و الناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جوّ السماء.
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٨/ ٣٠٣ و ذكره المتقي الهندي في الكنز (٣٧٥٨٩).