سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٠ - ذكر تعظيم أجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بما فعله معه المشركون
عليها بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين، و وقعت ثنيّته مع الحلقة، و ذهبت لأصنع ما صنع، فقال: أقسمت عليك بحقي لما تركتني، ففعل كما فعل في المرة الأولى، فوقعت ثنيّته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتما، فأصلحنا من شأن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفر، فإذا به بضع و سبعون أو أقلّ أو أكثر من طعنة و ضربة و رمية، و إذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه [١].
و ذكر محمد بن عمر أن طلحة أصيب يومئذ في رأسه، فنزف الدم حتى غشي عليه، فنضح أبو بكر الماء في وجهه حتى أفاق فقال: ما فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)؟ فقال: خيرا، هو أرسلني إليك، قال: الحمد للّه، كلّ مصيبة بعده جلل.
و في حديث أبي سعيد الخدريّ عن محمد بن عمر: أنّ الحلقتين لمّا نزعتا جعل الدم يسرب كما يسرب الشّنّ، فجعل مالك بن سنان يأخذ الدم بفيه و يمجّه منه و يزدرد منه، فقال له: «أ تشرب الدّم؟» قال: نعم يا رسول اللّه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «من مسّ دمه دمي لم تصبه النّار».
و ترّس دون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أبو دجانة بنفسه، يقع النّبل في ظهره و هو ينحني عليه، حتى كثر عليه النبل و هو لا يتحرك.
و قاتل عبد الرحمن بن عوف قتالا شديدا عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و أصيب فوه فهتم، و جرح عشرين جراحة أو أكثر، و جرح في رجله، و كان يعرج منها. و روى ذلك الحاكم عن إبراهيم بن سعد. و قاتل سعد بن أبي وقاص عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قتالا شديدا.
روى الحاكم عن عائشة بنت سعد عن أبيها قال: لما جال النّاس يوم أحد تلك الجولة تنحّيت فقلت: أذود عن نفسي، فإمّا أنجو و إما أن أستشهد، فإذا رجل محمرّ وجهه قد كاد المشركون أن يركبوه، فملأ يده من الحصا فرماهم به، و إذا بيني و بينه المقداد، فأردت أن أسأله عن الرّجل، فقال لي: «يا سعد هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يدعوك» فقمت و لكأنه لم يصبني شيء من الأذى، فأتيته فأجلسني أمامه فجعلت أرمي و أقول: «اللهم سهمك فارم به عدوّك»
و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يقول: «اللهم استجب لسعد، اللهم سدّد لسعد رميته، إيها سعد، فداك أبي و أمي»، فما من سهم أرمي به إلّا قال رسول اللّه: «اللهم سدّد رميته، و أجب دعوته»،
حتى إذا فرغت من كنانيّ نثر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) ما في كنانته فنبلني سهما نضيّا قال و هو الذي قد ريش و كان أسدّ من غيره [٢].
[١] أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ٣٦٣ و أبو نعيم في الحلية ١/ ٨٧ و ذكره ابن حجر في المطالب (٤٣٢٧) و المتقي الهندي في الكنز (٣٠٠٢٥).
[٢] أخرجه الترمذي (٣٧٥١) و الحاكم في المستدرك ٣/ ٤٩٩ و الطبراني في الكبير ١/ ١٠٥.