سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٠٣ - ذكر تعظيم أجر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بما فعله معه المشركون
و روى الإمام أحمد، و مسلم، عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه: أنّ المشركين لما أرهقوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو في سبعة من الأنصار و رجل من قريش قال: من يردّهم عنّا و هو رفيقي في الجنّة؟ فجاء رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا، فقال: من يردّهم عنّا و له الجنة؟- أو هو رفيقي الجنة؟- فتقدّم رجل من الأنصار فقاتل، حتى قتل السبعة، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «ما أنصفنا أصحابنا» [١].
و روى البخاريّ عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة بن عبيد الله شلّاء وقى بها النبيّ (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم أحد.
و روى الدّار قطنيّ في الأفراد، و الطبرانيّ عن طلحة. و النسائيّ، و الطبرانيّ، و البيهقيّ عن جابر بن عبد الله رضي اللّه عنهم: أنّ طلحة أصابه سهم في أنامله فقال: حسّ. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «لو قلت بسم اللّه لطارت بك الملائكة و الناس ينظرون حتى تلج بك في جوّ السماء، و لرأيت بناءك الذي بنى اللّه لك في الجنّة و أنت في الدنيا» [٢].
و روى ابن أبي شيبة و الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود رضي اللّه عنه قال: إن النساء يوم أحد كنّ خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين، فلو حلفت يومئذ لرجوت أن أبرّ أنه ليس أحد منّا يريد الدنيا، حتى أنزل اللّه تعالى: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ [آل عمران ١٥٢] فلما خالف أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و عصوا ما أمروا به أفرد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) في تسعة: سبعة من الأنصار، و رجلين من قريش، و هو عاشرهم، فلما رهقوه قال: رحم اللّه ردّهم عنّا فذكر نحو الحديث الذي قبله.
و قال ابن إسحاق: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حين غشيه القوم قال: «من رجل يشري لنا نفسه؟» فقام زياد بن السّكن في خمسة من الأنصار- و بعض الناس يقول: إنما هو عمارة بن يزيد بن السّكن-، فقاتلوا دون رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) رجلا رجلا يقتلون دونه، حتى كان آخرهم زيادا أو عمارة، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أدنوه منّي»، فأدنوه منه فوسّده قدمه، فمات و خدّه على قدم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و به أربع عشرة جراحة.
و قاتل عليّ بن أبي طالب عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) من ناحية، و أبو دجانة من ناحية، و سعد بن أبي وقّاص من ناحية، و انفرد عليّ بن أبي طالب بفرقة فيها عكرمة بن أبي جهل،
[١] أخرجه مسلم في الجهاد (١٠٠) و أحمد في المسند ١/ ٤٦٣ و البيهقي في السنن ٩/ ٤٤ و ابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٣٩٩ و البيهقي في الدلائل ٣/ ٢٣٥.
[٢] ذكره ابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق ٧/ ٧٧.