نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٤ - الشرح والتفسير بنو هاشم حماة الإسلام الأوائل
الْأَفَاعِيلَ [١]، مَنَعُونَا الْعَذْبَ [٢]، وَأَحْلَسُونَا [٣] الْخَوْفَ، وَاضْطَرُّونَا إِلَى جَبَلٍ وَعْرٍ [٤]، وَأَوْقَدُوا [٥] لَنَا نَارَ الْحَرْبِ».
هذه العبارات إشارة إلى مقطع مهمّ وعظيم من تاريخ الإسلام يبيّن فيها الإمام عليه السلام سلوك الأعداء وخاصة قبيلة قريش تجاه النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله والرسالة الإلهيّة، فقد واجه النبيّ والمسلمون في مكة صنوف الأذى من قريش والقذف بالحجارة والاستهزاء والتعذيب بمختلف الأشكال، وأخيراً عندما شعروا بالخوف من تقدّم الإسلام وامتداده في القبائل العربية حوالي مكة، عزموا على محاصرة المسلمين الذين كانوا ثلّة قليلة، اجتماعياً واقتصادياً وكتبوا ذلك الكتاب المعروف بأن لايتواصل أيّ شخص من قريش وسائر العرب مع المسلمين ولا يبيعونهم شيئاً ولا يشتروا منهم ولا يتزوّجوا منهم ولا يزوّجوهم، وختموا هذا العهد ووضعوه داخل الكعبة تأكيداً منهم على الالتزام بهذا الميثاق، والتجأ المسلمون إلى شعب أبي طالب [٦] الذي كان وادياً موحشاً ومليئاً بالأحجار وعاشوا هناك ثلاث سنوات من الحرمان الشديد تحت طائلة الحصار الاقتصادي، فكانت تلك الأيّام من أصعب الأيّام التي عاشها المسلمون مع النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله إلى درجة أنّ أصوات بكاء الأطفال والجائعين كانت تسمع من خارج الشعب، وأخيراً عندما أخبرهم النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله
[١]. «الأفاعيل» جمع «أفعال» وهو جمع «فعل»، وفي هذه الموارد وردت بمعنى الأعمال الكبيرة وأشكال التآمروالدسيسة.
[٢]. «العذب» بمعنى الرواء الهنيء، وتارة يقصد به البعد الظاهري، والبعد الباطن والمعنوي.
[٣]. «احلسونا» أصلها «حلس» على وزن «حرص» وتعني القماش الناعم الذي يوضع تحت أقتاب الإبل، وفي الحقيقة يلتصق ببدن الإبل، ثم اطلق على كل شيء يلازم شيئاً آخر، مثلًا، يقال: فلان حلس البيت؛ يعني أنّه لا يخرج من بيته، والجملة أعلاه «أحْلَسُونَا الْخَوْفَ» تعني أنّ الأعداء فرضوا علينا حالات الخوف والرعب الدائم.
[٤]. «وعر» الأرض الصعبة والمليئة بالأحجار وغير المعبدة.
[٥]. «اوقدوا» أصلها من «الإيقاد» بمعنى اشعال النار وهي من «الوقود» بمعنى إشعال الشيء.
[٦]. خلافاً لما يتوهم البعض من أنّ شعب أبي طالب هو محل قبر أبي طالب الذي يقع الآن على مقربة من جسرالحجون، لأنّه تفصله فاصلة كبيرة مع المسجد الحرام والكعبة، وشعب أبي طالب كان وادياً إلى جانب جبل أبيقبيس، ولذلك ورد في التواريخ أنّ صوت بكاء أطفال المسلمين من شدّة جوع والآلام الآخرى كان يسمع ليلًا في المسجد الحرام من ذلك الوادي.