نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٩٩ - الشرح والتفسير ثمان وعشرون موعظة أخرى
يقول المرحوم التستري في شرحه لنهج البلاغة نقلًا عن كتاب تاريخ بغداد: كان لمحمّد بن ميمون أبيحمزة السكري [١] (من مشاهير عصره) جار أراد أن يبيع داره، فقيل له: بكم، قال: بألفين (دينار) عن الدار، وألفين (دينار) عن جوار أبي حمزة، فبلغ ذلك أبا حمزة فوجّه إليه أربعة آلاف (دينار)، فقال: خذ هذه ولا تبع دارك [٢].
الثامنة والعشرون: يقول الإمام عليه السلام في هذه الفقرة الأخيرة من وصيّته الزاخرة بالقيم والنصائح المفيدة: «إِيَّاكَ أَنْ تَذْكُرَ مِنَ الْكَلَامِ مَا يَكُونُ مُضْحِكاً، وَإِنْ حَكَيْتَ ذَلِكَ عَنْ غَيْرِكَ».
لأنّ مثل هذا الكلام يزيل هيبة الإنسان من جهة، ومن جهة أخرى يقترن غالباً بالغيبة أو السخرية من الآخرين من ذوي الوجاهة في المجتمع، ومن هنا سيكون مثل هذا الكلام باعثاً للإضرار بالإنسان في الدنيا وفي الآخرة، سواء كان هذا الكلام من عنده أو نقلًا عن شخص آخر، فلا فرق في الغيبة أو السخرية أن تكون من إبداع الشخص نفسه أو حكاية عن غيره.
وطبعاً فإنّ هذا لا يعني أنّ الإنسان يجب أن يترك كلّ أشكال المزاح المشروع والفكاهة اللطيفة، أو أن يجلس في المجالس بوجه عبوس ومكفهرّ، لأننا نعلم أنّ النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله وأئمّة أهل البيت عليهم السلام والعلماء الكبار كانوا يمزحون فيما بينهم ويتحدّثون باللطائف والفكاهة أحياناً، بل وردت التوصية بالمزاح في السفر أكثر للتخفيف من ضغط المشاكل والصعوبات التي يواجهها الإنسان في سفره، يقول العلّامة السيد بحر العلوم في أشعاره الفقهية:
|
وَ اكْثِرِ الْمِزاحَ فِى السَّفرِ إذا |
لَمْ يُسْخِطِ الرَّبَّ وَ لَمْ يَجْلِبْ أذىً |