نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٠ - الشرح والتفسير سبع وعشرون موعظة ثمينة
واحدة منها نقطة مهمّة في حياة الإنسان وسلوكه الأخلاقي، وتشكّل بمجموعها منهاجاً مفصّلًا لتحقيق الحياة السعيدة لكلّ فرد.
بدايةً يقول الإمام عليه السلام: «وَتَلَافِيكَ [١] مَا فَرَطَ [٢] مِنْ صَمْتِكَ أَيْسَرُ مِنْ إِدْرَاكِكَ مَا فَاتَ مِنْ مَنْطِقِكَ».
وهذا يعني أنّ الإنسان إذا امتنع عن التحدّث بشيء ثمّ علم بعد ذلك أنّ صمته كان خطأً فإنّه يستطيع فوراً تلافي هذا النقص وتدارك هذا الخلل، في حين أنّه إذا كان قد تحدّث بكلام ثمّ فهم بعدُ أنّ هذا الكلام خطأ، فإنّ تدارك هذا الخطأ غير ممكن، كالماء الذي اريق على الأرض، فإنّ جمعه غير ممكن حينئذٍ.
ويستعرض الإمام عليه السلام في إدامة كلامه الطريق الصحيح للوصول إلى هذا المقصود بذكر المثال، ويقول: «وَحِفْظُ مَا فِي الْوِعَاءِ بِشَدِّ الْوِكَاءِ».
«الوِعاء» الظرف الذي يوضع فيه الشيء، والمراد به هنا القلب وروح الإنسان، «الوكاء» الحبل الذي تشدّ به فوهة القربة، وهو إشارة إلى لسان الإنسان وفمه، فلو أنّ الإنسان ملك لسانه ومنطقه، فإنّه لا تصدر منه كلمات نابية ولا مسؤولة قد توجب له الندم بعد صدورها منه.
ثمّ يتطرق الإمام عليه السلام للتوصية الثانية ويقول: «وَحِفْظُ مَا فِي يَدَيْكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ طَلَبِ مَا فِي يَدَيْ غَيْرِكَ».
وهو إشارة إلى أنّ الكثير من الناس وبسبب حالات الإسراف والتبذير في الأموال، يفقدون ما لديهم من ثروة، ويضحون محتاجين للآخرين، ويفقدون عزّتهم ومكانتهم، ولو أنّ الإنسان سلك طريق الاعتدال والاقتصاد في حياته فإنّه لا يحتاج إلى الآخرين، ومن هذا المنطلق فإنّه التوصية المذكورة لا تدعو للبخل أبداً، بل تعني الدعوة للاعتدال وترك الإسراف والتبذير.
[١]. «تلافي» من مادة «لفى» على وزن «نفى» وتعني الجبر والتعويض و «الفاه» بمعنى وجده وعثر عليه.
[٢]. «فرط» من «الفرط» على وزن «شرط» يعني التقصير في أداء العمل، و «إفراط» التطرف وتجاوز الحد.