نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٩ - الشرح والتفسير الاستعداد الصحيح للجيش
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يشير إلى التوصية الثانية، ويقول: «وَلْتَكُنْ مُقَاتَلَتُكُمْ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ».
فتعدّد الجهات ومحاور القتال من شأنه إضعاف قوّة الجيش وبعثرة طاقاته فيكون من اليسير إيجاد ثغرة في صفوفه، ولهذا السبب فإنّ أحد فخاخ العدو في الماضي والحاضر لكسر مقاومة المخالفين، السعي لإيجاد جبهات متعدّدة في الميادين العسكرية أو السياسية لإضعاف قوّة الخصم وتشتيت طاقاته، وربّما لا يكون المراد من جبهتين مختلفتين بأن تكون جبهة واحدة إلى الشرق أو إلى الغرب مثلًا، بل يتمّ التحرّك على جبهتين بشكل دائرة تذهب مجموعة من جهة يمين العدو ومجموعة أخرى من جهة الشمال لمحاصرة العدوّ بشكل تامّ.
ثم إنّ الإمام عليه السلام يشير إلى التوصية الثالثة ويقول: «وَاجْعَلُوا لَكُمْ رُقَبَاءَ فِي صَيَاصِي [١] الْجِبَالِ، وَمَنَاكِبِ [٢] الْهِضَابِ، لِئَلَّا يَأْتِيَكُمُ الْعَدُوُّ مِنْ مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ».
يشير الإمام عليه السلام في هذه التوصية إلى أمرين مهمّين لابدّ من الأخذ بهما بالحسبان، أحدهما قمم الجبال والأخرى أعالي الهضاب والمرتفعات، لأنّ هذه المواقع تتمتّع بإشراف كامل على جميع الجهات، فالشخص الناظر من هذا الموقع يستطيع رؤية جميع النقاط التي يتحرّك فيها الجيش.
والتعبير ب «مَكَانِ مَخَافَةٍ أَوْ أَمْنٍ» ناظر إلى احتمال هجوم الأعداء بغتة، ويكون من المنطقة المتوقعة منها، وعلى ضوء ذلك يجب على المراصد أن ترى جميع هذه النقاط.
ويشير الإمام عليه السلام في التوصية الرابعة إلى إحدى التقسيمات المهمّة للجيش التّي
[١]. «صياصي» جمع «صيصية» أو «صيصة» وهو في الأصل بمعنى المشط الذي يستخدمه الحائك لتعديل وتنظيم القماش، أو الظفر الزائد في أقدام بعض الطيور، ثم اطلق على القلاع المحكمة على قمم الجبال وكذلك تطلق على قمّة الجبل، وفي العبارة أعلاه وردت بمعنى الأخير.
[٢]. «مناكب» جمع «منكب» على وزن «مغرب» بمعنى الأكتاف، بالنظر إلى أنّ الهضاب جمع هَضَبَة (على وزن عَقَبَة) تأتي بمعنى الجبال المسطحة التي تفتقد القمم، فإنّ «مناكب الهضاب» تعني الأقسام العليا من هذه التلال المرتفعة والتي هي بمثابة الاكتاف للجبل.