نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩١ - نظرة إلى الرسالة
أبيطالب قد أجار قتلة عثمان فلو أنّه دفعهم إليه ليقتصّ منهم فإنّه سيمتنع من قتاله، فطلب أبومسلم وأتباعه أن يكتب هذ الطلب إلى الإمام عليّ عليه السلام في رسالة ويبعثها إليه، فكتب معاوية رسالة بهذه المضمون وسلّمها إلى أبي مسلم ليوصلها إلى أميرالمؤمنين عليه السلام.
فجاء أبو مسلم بالرسالة إلى الإمام عليّ عليه السلام وسلّمها له بحضور جماعة من أصحابه ثم نهض واقفاً وتوجّه للإمام بالقول: إنّني لا احبّ أن تكون ولاية امور المسلمين بيد غيرك، ولكنّ عثمان قتل بغير حقّ، فادفع قتلته إلينا، فإن خالفك أحد فنحن سنكون في اختيارك.
فأجابه الإمام عليه السلام: ائتني غداً لتستلم جواب الكتاب، فجاء أبو مسلم في اليوم التالي لاستلام جواب الرسالة، فرأى المسجد حاشداً بالناس وكلّهم ينادي: نحن جميعاً اشتركنا في قتل عثمان.
واللافت أنّ اجتماع هذا الجمهور الغفير في المسجد كان بدافع أنّ الناس تصوّروا أن يقوم الإمام عليه السلام بتسليم قتلة عثمان إلى معاوية ليزيل أيّة ذريعة يمكن لمعاوية التمسّك بها، ومن هنا اجتمع أنصار الإمام عليه السلام وأتباعهم في المسجد ليؤكّدوا أنّ قاتل عثمان لا يمثّل شخصاً واحد أو عدّة أشخاص معدودين، ومع أنّ الإمام عليه السلام لم يكن يقصد أبداً تسليم بعض الأشخاص لمعاوية، فإنّ مثل هذا العمل ليس بالأمر الممكن عملًا.
وفي هذا الموقع سلّم الإمام عليه السلام جواباً مكتوباً لأبي مسلم لينقله إلى الشام ويسلّمه إلى معاوية، فقال أبو مسلم في نفسه: «الْانَ طابَ الضِرابُ» [١] أي حان الأوان للقتال طلباً للثأر بدم عثمان.
وتبيّن من ذلك أنّ أبا مسلم وأتباعه كأنّهم لم يكونوا قد أدركوا هذه الحقيقة وهي أوّلًا: أنّ قتل عثمان وقع بعد انتفاضة شعبية عارمة ضدّه بسبب أعماله وتصرّفاته
[١]. شرح نهجالبلاغة لابن أبيالحديد، ج ١٥، ص ٧٣ إلى ٧٥.