نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٨ - الشرح والتفسير
الخلفاء السابقين لم تكن مسألة قابلة للانكار، وفي الحقيقة أنّ استدلال الإمام عليه السلام استدلال جدليّ كما في الاصطلاح، حيث يتّخذ المتكلّم مسلّمات ومقبولات الطرف المقابل ويستدلّ بها ضدّه، ومن هذا المنطلق بما أنّ معاوية كان يرى نفسه من ولاة الخلفاء السابقين أبوبكر، عمر، وعثمان، فإنّه لا يستطيع إنكار مشروعية خلافتهم وكيفية وصولهم إلى سدّة الحكم والخلافة، وهذا الأمر هو ما وقع أيضاً للإمام عليّ عليه السلام في خلافته بصورة أكمل وأتمّ، فإنّ عموم المهاجرين والأنصار بايعوا الإمام عليّ حتى طلحة والزبير اللذين نكثا البيعة بعد ذلك كانا من أوائل المبايعين للإمام في أمر الخلافة، وكانت السنّة جارية في ذلك العصر أنّ المهاجرين والأنصار في المدينة إذا اختاروا شخصاً للخلافة فيجب على الغائبين والبعيدين عن المدينة أن يتّبعوا المهاجرين والأنصار في مركز الخلافة، وعلى هذا الأساس لا يمكن لمعاوية أن يعترض على استدلال الإمام عليه السلام في هذا الأمر.
ومن هنا فإنّ الإمام عليّ عليه السلام يقول في هذا السياق: «وَإِنَّمَا الشُّورَى لِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَإِنِ اجْتَمَعُوا عَلَى رَجُلٍ وَسَمَّوْهُ إِمَاماً كَانَ ذلِكَ للَّهِ رِضاً».
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يستنتج من ذلك ويقول: «فَإِنْ خَرَجَ عَنْ أَمْرِهِمْ خَارِجٌ بِطَعْنٍ أَوْ بِدْعَةٍ رَدُّوهُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ، فَإِنْ أَبَى قَاتَلُوهُ عَلَى اتِّبَاعِهِ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَلَّاهُ اللَّهُ مَا تَوَلَّى».
وكما أسلفنا أنّ هذا الاستدلال يتّسم بالمنهج الجدليّ والاستفادة من مسلّمات الطرف المقابل في دحض حجّته، فلا ينبغي استنباط هذا المفهوم وهو أنّ الإمام عليه السلام ترك مسألة الإمامة المنصوبة وذهب إلى أنّ الإمامة هي من اختيار الناس لا من شؤون الباري تعالى وليست بوسيلة التنصيب الإلهيّ كما تصوّر ذلك بعض شرّاح نهجالبلاغة، بل إنّ الطريق الوحيد للاستدلال في مقابل معاوية لا يمكن بغير هذا المنهج الجدلي، ونرى كثيراً من قبيل هذا النحو من الاستدلال في القرآن الكريم فيما يخصّ المجادلة مع المشركين.
وفي مقطع آخر من هذه الرسالة يذكر الإمام عليه السلام مسألة قتل عثمان التي جعلها