نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨ - الشرح والتفسير المناصب الحكوميّة في الإسلام أمانة إلهيّة
وتقابل جيش الحقّ مع زمرة المتمرّدين والمخالفين وطلبت منهم الكفّ عن التمرّد والعناد والعودة إلى البيعة والوفاء بالعهود، وقد أتممت عليهم الحجّة ولكنّهم لم يقبلوا إلّا بالقتال، وما كان من أمر المعركة ما كان ودارت عليهم الدائرة وجرح بعضهم وفرّ الآخرون، وقد أمرت أن لا يجهز على المجروحين ولا يتمّ تعقيب الهاربين وكل من ألقى سلاحه على الأرض ورجع إلى داره وأغلق بابه عليه فهو آمن [١].
ثم إنّ الإمام عليه السلام في هذه المقطع من الرسالة الذي ينقله السيّد الرضيّ يقول محذّراً بجملتين ذات معنى عميق: «وَإِنَّ عَمَلَكَ لَيْسَ لَكَ بِطُعْمَةٍ [٢] وَلكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمَانَةٌ، وَأَنْتَ مُسْتَرْعًى لِمَنْ فَوْقَكَ».
التعبير أعلاه يبيّن رؤية الإسلام للمناصب الحكومية والمسؤوليات التي تقع على عاتق أصحاب الشأن السياسي، ومن وجهة نظر الإسلام أنّ رئيس الحكومة، الوزراء، الامراء، والولاة، ليسوا سوى امناء يتولّون إدارة أمور المجتمع الإسلاميّ ويتحمّلون الأمانة الإلهيّة في هذا الشأن، فلا ينبغي استخدام هذه المناصب وسيلة لاحراز التفوق وتغليب المصالح الشخصية والتوصّل إلى المآرب الذاتية والفئوية بل ينبغي مراعاة هذه المسؤولية كالشخص الأمين الذي يجب عليه إعادة الأمانة سالمة إلى أهلها.
وقد ورد هذا المعنى في روايات عديدة في تفسير الآية الشريفة: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا» [٣]، فإنّ هذه الأمانة هي الولاية وحكومة الأولياء الصالحين [٤].
وطبعاً أنّ تفسير هذه الآية لا يعني أنّ مفهوم الآية ينحصر في أمر الحكومة
[١]. نهجالبلاغة الكامل، ص ٨٠٣؛ وقعة صفين، ص ٢٠.
[٢]. «طعمة» تعني الشيء المطعوم والمأكول، ولكن تأتي على سبيل الكناية، مثلًا يقال عن الشخص الفلانيخبيث الطعمة، يعني أنّ كسبه وعمله غير مشروع، وفي الرسالة أعلاه وردت بمعنى ما يعتاش به الإنسان.
[٣]. سورة النساء، الآية ٥٨.
[٤]. انظر: تفسير نور الثقلين، ذيل الآية المذكورة؛ والكافي، ج ١، ص ٢٧٦ باب أنّ الإمام يعرف الإمام الذي يكون من بعده.