نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٩ - الشرح والتفسير الإحسان في مقابل الإساءة!
يمكنك أن تحقّق هذا النصر من خلال إبراز المحبّة والمودّة، ومعلوم أنّ الطريق الثاني أحلى وأحسن عاقبة، لأنّك في المستقبل ستعيش فارغ الذهن عن خوف الانتقام من العدوّ في حين أنّك إذا انتصرت عليه باستعمال القوّة، فسوف تتوقّع في كلّ وقت ظهور نزاع جديد باستخدام القوّة من قِبل العدوّ، وبعبارة أخرى، أنّ العدوّ سيبقى في الطريق الأول عدوّاً، في حين أنهّ في الطريق الثاني سيتبدّل إلى صديق.
ينقل أبوالفرج الاصفهاني في كتاب مقاتل الطالبيين قصّة جميلة في هذا المجال عن الإمام موسى بن جعفر عليه السلام قال: إنّ رجلًا من ولد عمر بن الخطّاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسى عليه السلام ويسبّه إذا رآه، ويشتم عليّاً عليه السلام، فقال له بعض جلسائه يوماً: دعنا نقتل هذا الفاجر، فنهاهم الإمام موسى الكاظم عليه السلام عن ذلك أشدّ النهي وزجرهم أشدّ الزجر، فسأل عن العمري، فذُكر له أنّه يزرع بناحية من نواحي المدينة، فركب إليه فوجده في مزرعة له، فدخل المزرعة بحماره، فصاح به العمري:
لا توطئ زرعنا، فتوطّأه أبو الحسن موسى عليه السلام بالحمار حتّى وصل إليه، فنزل وجلس عنده وباسطه وضاحكه وقال له: «كَمْ غَرِمتَ فِي زَرْعِكَ هذا؟» (أي صرفت على زرعك).
فقال العمري: مائة دينار، فقال الإمام عليه السلام: «وَكَمْ تَرجُو أن تُصِيبَ؟» (أي تربح من الزرع).
قال العمري: لست أعلم الغيب، فقال الإمام عليه السلام له: «إنّما قُلتُ لكَ كَمْ تَرجُو أن يَجِيئُكَ فِيه»، قال العمري: أرجو أن يجيئني فيه مائتا دينار.
فأخرج الإمام الكاظم عليه السلام صرّة فيها ثلاثمائة دينار وقال: «هذا زَرْعُكَ على حَالِهِ واللَّهُ يَرزُقُك فِيه ما تَرْجُو».
فقام العمري فقبّل رأسه وسأله أن يصفح عن فرطه (أي ما فرّط في حقّ الإمام عليه السلام) فتبسّم إليه أبو الحسن عليه السلام وانصرف.
قال الراوي: وراح الإمام الكاظم عليه السلام إلى المسجد فوجد العمرّي جالساً، فلمّا