نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٣٦ - الشرح والتفسير السائرون بمركب الليل والنهار
ثمّ يضيف: «يُوشِكُ [١] مَنْ أَسْرَعَ أَنْ يَلْحَقَ»، فمن يسير بسرعة في هذا السفر يوشك أن يصل إلى الموت.
والمراد من «مَنْ أَسْرَعَ» جميع أفراد البشر لا طائفة خاصّة، لأنّ جميع الناس يتحرّكون بسرعة باتّجاه المنزل النهائي، وهو نهاية الحياة.
ويطرح الإمام عليه السلام تشبيهاً جميلًا عن الناس في هذا العالم ويقول: «وَاعْلَمْ يَا بُنَيَّ أَنَّ مَنْ كَانَتْ مَطِيَّتُهُ [٢] اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، فَإِنَّهُ يُسَارُ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاقِفاً، وَيَقْطَعُ الْمَسَافَةَ وَإِنْ كَانَ مُقِيماً وَادِعاً [٣]».
وهو إشارة إلى أنّ الحركة باتّجاه نهاية العمر هي حركة إجباريّة وحتميّة لا اختياريّة، فالجميع يركبون مطيّة الزمان ويتحرّكون بيد التقدير الإلهيّ، وسرعان ما يصلون- شاؤوا أم أبوا- إلى نقطة النهاية، وإن كان الكثير منهم يعيشون الغفلة عن هذا المصير.
وهناك تعابير أخرى وردت في سائر كلمات الإمام عليه السلام في هذا المجال، منها قوله: «أَهْلُ الدُّنْيَا كَرَكْبٍ يُسَارُ بِهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ» [٤].
ويقول في مورد آخر: «نَفَسُ الْمَرْءِ خُطَاهُ إِلَى أَجَلِهِ» [٥].
وفي حديث آخر يقول أميرالمؤمنين عليه السلام: «إنّ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يَعْمَلانِ فِيكَ فَاعْمَلْ فيهِما وَيَأْخُذانِ مِنْكَ فَخُذْ مِنْهُما» [٦].
وينقل ابن أبيالحديد في هذا المورد قصّة جميلة عن أستاذه ويقول: واستقرأني أبو الفرج محمّد بن عبّاد (رحمه اللَّه) وأنا يومئذ حدث، هذه الوصيّة فقرأتها عليه من
[١]. «يُوشِك» من مادة «وَشْك» على وزن «فقر» وتعني السير السريع، وعلى ضوء ذلك فإنّ مفهوم هذه العبارة أنّاللحوق سرعان ما يتحقق (والصحيح في يوشك أن تقرأ بكسر الشين وأحياناً تقرأ بفتحها).
[٢]. «مَطيّة» من مادة «مطو» على وزن «عطف» تعني الحركة الجدية لغرض النجاة في المسير.
[٣]. «وادع» هو الشخص الذي يجلس بهدوء وسكون، وهذه الكلمة من «الوداعة» أي السكون والهدوء.
[٤]. نهجالبلاغة، الكلمات القصار، ٦٤.
[٥]. المصدر السابق، ٧٤.
[٦]. غرر الحكم، ح ٢٧٨٩.