نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٩ - ٢ كيف توصّل الإمام عليه السلام لتاريخ الأقوام الماضية؟
ولكنّ المحقّقين من أهل الخِبرة والاطّلاع استطاعوا من خلال توخّي الدّقة في ملاحظة البرهان والشواهد المتناثرة في زوايا التاريخ ومطاوي الحوادث التاريخية، أن يميّزوا بين الصحيح والسقيم، الحقّ والباطل، وبما أنّ الكاذب ضعيف الحافظة ويبتلى غالباً بالتناقض في كلامه، استطاع هؤلاء المؤرّخون المخلصون من تمييز الماء الزلال من الكدر وتشخيص الحقيقة من الوهم والزيف.
ونتمنّى على أصحاب السلطة وقوى الهيمنة والاستكبار في عالمنا المعاصر إلقاء نظرة إلى التاريخ، وعلى الأقلّ مطالعة مسيرة الملوك والسلاطين السابقين وما كان مصيرهم ليشاهدوا عن كثب مصيرهم في المستقبل في مرآة التاريخ ويتجنّبوا التعامل مع الشعوب بالظلم والجور والسحق الحقوق.
٢. كيف توصّل الإمام عليه السلام لتاريخ الأقوام الماضية؟
يستفاد من كلمات الإمام عليه السلام في هذا المقطع من الرسالة أنّ الإمام عليه السلام قد توصّل لفهم تاريخ القدماء من خلال أربع طرق: الأوّل: من خلال النظر في أعمالهم، ويمكن أن يكون ذلك إشارة إلى الأعمال والسلوكيات التي انتقلت شفوياً من جيل إلى جيل، ومن الآباء إلى الأبناء حتّى وصلت إليه.
الثاني: من خلال التفكّر والتدبّر في أخبارهم المنعكسة والمدوّنة على صفحات التاريخ بشكل مكتوب.
الثالث: من خلال السير في آثارهم والنظر إلى بقايا مدنهم وأطلال قصورهم، أي القصور الخاوية على عروشها والخرائب والأطلال المتبقّية من مدنهم، القبور المندرسة وما إلى ذلك، حيث تتحدّث هذه الآثار والأطلال وهي صامتة عن الحقائق التي تتعلّق بتلك الأقوام الماضية، وتبيّن ما كانوا عليه من حياة وثقافة وسلوك وفكر، وقد نقل إلينا العرفاء المطّلعون والشعراء المتعمّقون أموراً كثيرة عن تلكم الأقوام من خلال تدبّرهم وتأمّلهم في هذه الآثار المتبقية.