نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٨ - ١ تشكيلة منسجمة من أسرار التاريخ
ويتحدّث القرآن أيضاً في بعض أخباره التاريخية من موقع كونها تمثّل دروساً وتختزن في مطاويها عبراً يستوحي منها الناس ما ينفعهم في حياتهم ومعيشتهم، ويختار منها «أَحْسَنُ الْقِصَصِ» ويقول: «نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ» [١].
وأحياناً يحثّ القرآن الكريم مخاطبه على السير في الأرض ومطالعة آثار الأقوام الماضية وما انعكس على حياتهم وسلوكياتهم في التاريخ ويقول: «قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ» [٢].
وفي هذه الوصية يشير الإمام عليه السلام إلى نقطة مهمّة فيما يتّصل بالتاريخ البشريّ، وهي أنّ مطالعة تاريخ القدماء من موقع الدّقة والعمق، من شأنه أن يمنح الإنسان عمراً خالداً وكأنّ الإنسان الذي يدرس حوادث التاريخ يعيش مع الأقوام البشرية منذ أن خلق اللَّه آدم وإلى هذا اليوم، ويستوحي من تجاربهم وحالتهم ما يعينه في مسيرته وحياته، ويمثّل له زاداً ومتاعاً لمواجهة الصعوبات والتحدّيات التي يفرضها الواقع عليهم، والحقيقة أنّ مثل هذا التراث الثمين الذي حصل عليه الإنسان المعاصر بنفقات زهيدة جدّاً، يعدّ متاعاً مهمّاً وزاداً ضروريّاً يمنحه الحركة والقدرة على مواصلة المسيرة.
ومن الطبيعيّ أن نجد بعض نقاط القصور والثغرات المهمّة في التاريخ، وذلك بسبب هيمنة قوى الاستكبار والسلطة لتشويه وتحريف حقائق التاريخ بما يصبّ في صالحها، بحيث استطاعوا تلويث مرآة التاريخ في موارد كثيرة و عملوا على إخضاع المؤرّخين بآليات الطمع والتهديد لصياغة التاريخ حسب رؤيتهم لا على أساس ما يعكسه الواقع التاريخي، وكنموذج بارز لهذا التحريف والتشويش ما قام به بنو امية من تحوير وتزييف لحقائق التاريخ.
[١]. سورة يوسف، الآية ٣.
[٢]. سورة الروم، الآية ٤٢.