نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٦ - الشرح والتفسير إطفاء نار الفتنة في البصرة
وَسَفَهُ الْآرَاءِ الْجَائِرَةِ، إِلَى مُنَابَذَتِي [١] وخِلَافِي، فَهَا أَنَا ذَا [٢] قَدْ قَرَّبْتُ جِيَادِي [٣]، وَرَحَلْتُ [٤] رِكَابِي».
ثمّ يضيف الإمام عليه السلام: «وَلَئِنْ أَلْجَأْتُمُونِي إِلَى الْمَسِيرِ إِلَيْكُمْ لَأُوقِعَنَّ بِكُمْ وَقْعَةً [٥] لَا يَكُونُ يَوْمُ الْجَمَلِ إِلَيْهَا إِلَّا كَلَعْقَةِ لَاعِقٍ».
وهذا يعني أنني في معركة الجمل لم أكن مستعدّاً لها من حيث العدّة والعدد وكانت إمكاناتي قليلة في تلك الواقعة، ولكنني اليوم أملك جيشاً منسجماً وكثير العدّة والعدد، ويملك أفراد الجيش كلّ وسيلة قتالية وآلة حربية، وعلى ضوء ذلك فلو وقعت حرب فلا تقبل المقارنة مع تلك المعركة السابقة، وسوف لا يكون محلّ لما بدرَ منّي من محبّة ورأفة بكم في حرب الجمل، لأنّكم تناسيتم تلك الرأفة وتجرّأتم على إمامكم، وكأنّ تلك المودّة وذلك الإحسان زاد من جرأتكم ووقاحتكم.
وجملة: «لَعْقَة لاعِق» مع الالتفات إلى أنّ كلمة «لعقة» (على وزن قهوة) بمعنى اللحس، و «لعقة» (على وزن بقعة)، المقدار من الشيء الذي يحمل بالملعقة، فهذا كناية على أنّ هذا المقدار قليل جدّاً، وفي المثل المتعارف كالقطرة في البحر.
ولكن لئلّا يستغلّ العدوّ هذا الكلام ويسيء فهمه ويتصوّر أنّ الإمام عليه السلام يهدّد جميع أهالي البصرة ويقول إنني سوف أحرق الأخصر واليابس واعاقب المحسن
[١]. «مُنابَذَة» بمعنى المخالفة والمجابهة، وهي في الاصل من «النبذ» بمعنى الإلقاء بعيداً وكأنّ الشخص فيمخالفته للآخر يدفع به إلى المجابهة بعيداً عن الصلح والمواءمة.
[٢]. «ها أنا ذا» عبارة مركبة من ثلاث كلمات: «ها» للتنبيه، و «أنا» ضمير المتكلم الواحد و «ذا» اسم إشارة ومفهوم الجملة أنّكم على علم بي وتعرفوني.
[٣]. «جِياد» جمع «جواد» وهي الخيل الممتازة.
[٤]. «رَحَلْت» من مادة «رحل» على وزن «نخل» بمعنى وضع القتب على الإبل، و «ركاب» تعني الإبل.
[٥]. «وَقْعَة» بمعنى الهجمة في الحرب.