نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤٨ - الشرح والتفسير كيف يجلس المحكوم للحكم والقضاء؟
وكأنّك قد نسيت أنّك يوم فتح مكة وانتصار المسلمين واستيلائهم على آخر معقل للكفر والشرك، كنت تحت رحمة سيوف المجاهدين ولم يكن لديك طريق للفرار، ولذلك أسلمت أنت وأبوك أبوسفيان من موقع التسليم والرضوخ، وقد منّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله عليكم وجعلكم من الطلقاء، والآن نصّبت نفسك على كرسي التحكيم بين صحابة النبيّ وجعلت من نفسك عارفاً بدرجاتهم ومكانتهم بين المهاجرين الأوّلين، والحقيقة أنّ من المخجل جدّاً أن يقوم شخص يملك هو واسرته مثل هذه السابقة السيّئة، بالتدخّل بمثل هذه الأمور ويجعل نفسه حكماً في هذا الشؤون.
والواقع ينبغي توجيه حربة النقد إلى الأشخاص الذين جعلوا من معاوية يحتلّهذه المكانة بعد النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله ونسوا سوابقه وجعلوه والياً على مقاطعة كبيرة من البلاد الإسلاميّة، أجل، فمعاوية نُصّب والياً على الشام في زمان الخليفة الثاني ويتوجّه اللوم أيضاً إلى المسلمين الذين نسوا سوابق اسرة بني أمية بهذه السرعة والفاصلة الزمنية القليلة، ورضخوا لحكومتهم ولم ينتفضوا ضدّهم، كلّ ذلك مع وجود روايات كثيرة عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله مذكورة في المصادر الإسلاميّة المختلفة في ذمّ بني امية وبالتحديد معاوية، وبيان الخطر الذي يهدّد الإسلام والامّة الإسلاميّة من حكومتهم.
ثمّ إنّ الإمام عليه السلام يستمرّ في كلامه ويقول من موقع التأكيد: «هَيْهَاتَ لَقَدْ حَنَ [١] قِدْحٌ [٢] لَيْسَ مِنْهَا، وَطَفِقَ يَحْكُمُ فِيهَا مَنْ عَلَيْهِ الْحُكْمُ لَهَا».
وجملة: «حَنَّ قِدْحٌ لَيْسَ مِنْهَا» مثل معروف بين العرب يعود أصله إلى أنّ طائفة من بني الحنان أرادوا أن يلعبوا القمار فيما بينهم، وهيّأوا لذلك النصال، وكان نصيب جدّهم منها نصل غير صالح للرمي، فرمى بنصله من بين تلك النصال، وكان المقسم للنصال رجل أعمى، وعندما أصابت الرمية سهم من هذه السهام انتبه من الصوت أنّ
[١]. «حنّ» من «الحنين» بمعنى اطلاق الصوت بالتأوه من موقع الحزن.
[٢]. «قدح» بمعنى السهم قبل أن يكتمل صنع رأسه المدبب.