نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٨ - ١ القصاص أو العفو؟
تأمّلان
١. القصاص أو العفو؟
رأينا آنفاً أنّ تشريع حكم القصاص في الإسلام من أجل حفظ المجتمع البشريّ من شرّ الأشرار، وكما ورد في القرآن الكريم: «وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِى الْأَلْبابِ» [١] والأشخاص الذين يعيشون في زماننا هذا ويخالفون حكم القصاص فهم في الواقع يترحّمون على الذئاب العاوية، ويسمحون للأبرياء أن يقعوا في مصائد هذه الذئاب والوحوش الكاسرة ولا يهتمّون بذلك، فهناك أفراد من الأشرار في المجتمع إذا شعروا بالأمن من القصاص فلا أحد يستطيع منعهم من ارتكاب أيّة جريمة في حقّ الأبرياء، وأحد عوامل زيادة نسبة القتل في بعض المجتمعات البشرية يعود إلى إلغاء حكم القصاص في تلك المجتمعات.
ولكنّ الإسلام، ومن أجل التصدّي للعنف والعداون بالمقدار الممكن، يمنح الأشخاص الذين ارتكبوا جريمة القتل بدافع من الانفعال العفويّ أو الغرور فرصة أخرى، حيث ضمّ إلى جانب حكم القصاص حكم العفو، وخيّر أولياء الدم بين القصاص والعفو، ولكن أولياء اللَّه يختارون دائماً الخيار الثاني، ولهذا السبب فقد أوصى الإمام عليه السلام أبناءه وأصحابه في وصيّته مورد البحث العفو عن القاتل، ونعلم أنّ القاتل هو ابن ملجم.
وهنا يفرض هذا السؤال نفسه، وهو أنّ أولاد الإمام عليه السلام بعد توصية الإمام عليه السلام بالعفو عن القاتل لماذا رجّحوا خيار القصاص؟
الجواب عن هذا السؤال يتبيّن من خلال الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ مشاعر الناس وعواطفهم الجيّاشة في مقابل هذه الجريمة كانت إلى درجة من الشدّة بحيث أنّ العفو عن ابن ملجم سيتسبّب في إثارة الاضطراب في ذلك المجتمع، وعشّاق الإمام عليه السلام لا يملكون القدرة على تحمّل مثل هذا العفو، أضف إلى ذلك أنّهم
[١]. سورة البقرة، الآية ١٧٩.