نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٥ - الشرح والتفسير وصايا مهمّة
فيَّ وغيّرني، واليوم أرقد في فراش الموت برأس دامٍ من ضربة ابن ملجم، وهذا الرأس المصاب يعتبر درساً لكم على عدم وفاء الدنيا، وغداً عندما ترون مكاني خالياً بينكم ستشعرون بحقيقة هذه الدنيا وتلمسون عدم اعتبارها، فإنّها أعرضت بكلّ سهولة عن ذلك الرجل الشجاع والبطل المقدام وسلّمته إلى أجله.
التاريخ البشريّ نرى فيه الكثير من هذه الوقائع، وأنّ شخصيات كبيرة أو مجاميع قوية تغيّرت بمرور الزمان وبمدّة قليلة كلياً، ولم يبق لديهم من إمكانات وقدرات إلّا القليل الذي لا يفي بشيء، ويتحدّث لنا التاريخ أنّ نادر شاه كان في ذروة العظمة عندما قصد الهجوم على بعض البلدان، فنام في فراشه فجاءه الطبّاخ الذي كان مستاءً من نادر بشدّة ومعه سكين فقطع به رأسه وذبحه على فراشه وانتهى كلّ شيء في الصباح الباكر.
والأوضح من الجميع تاريخ الأقوام السالفة الذي تحدّث عنه القرآن الكريم كراراً كالفراعنة ونمرود وقوم عاد وثمود، حيث عاشوا العظمة والقدرة إلّاأنّ ذلك لم يمنع من وقوعهم مورد الغضب الإلهيّ، وفي لحظات أصبحوا أثراً بعد عين ودفنتهم أمواج المشيئة الإلهيّة وسحقتهم الصيحة السماوية أو تحطّمت عروشهم وقصورهم بالزلزلة وأمثال ذلك.
وهذه المسألة لا تنحصر بالأشرار من هذا العالم، بل إنّ الأخيار والأبرار مشمولون لهذه السنّة الإلهيّة على السواء، وأنّ الدنيا لا تمثّل للجميع سوى وهماً زائلًا وهباء منثوراً.
ثمّ يتحدّث الإمام عليه السلام في القسم الثالث عن نظرته لقاتله ويوصي أبناءه وأصحابه وصيّة مفعمة بالمحبّة والشهامة ويقول: «إِنْ أَبْقَ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، وَإِنْ أَفْنَ فَالْفَنَاءُ مِيعَادِي، وَإِنْ أَعْفُ فَالْعَفْوُ لِي قُرْبَةٌ، وَهُوَ لَكُمْ حَسَنَةٌ، فَاعْفُوا «أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ» [١]».
[١]. سورة النور، الآية ٢٢.