نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٢٢ - الشرح والتفسير إنذار شديد للمتخلّفين
الخيانة، بل ذكر كلاماً مشروطاً بهذا المضمون، وهو أنّه إذا بلغني أنّك ارتكبت مثل هذه الخيانة ...، لأنّه إذا أراد كشف الحجاب في مثل هذه الموارد عن عمل الشخص المتخلّف، فإنّ ذلك يدعوه للجرأة أكثر، فبلاغة الكلام تستدعي أن يكشف قليلًا عن الستار ويذكر الموضوع بشكل مشروط لئلّا يتجرّأ أكثر، ويعزم على الفرار بالأموال من تلك المنطقة.
وهنا نقطة جديرة بالالتفات في كلام الإمام عليه السلام حيث يقول: إنّني ساعاقبك عقوبة شديدة بحيث يترتّب عليها ثلاث بلايا: الاولى: أنّك ستعيش في حياتك قليل الوفر من المال، والآخر ستكون سيّء السمعة فلا يأتمنك أحد على عمله وماله.
الثالث: أن تكون ثقيل الظهر، وربّما يكون مقصوده عليه السلام من ذلك ثقل المسؤولية في الدنيا، أي أنّه يحمل على ظهره مسؤولية الخيانة وما يترتّب عليها من عقوبة، أو أن يعيش بصعوبة بالغة بسبب الفقر فلا يستطيع إدارة أموره الشخصية والمعاشية، واحتمل بعض الشرّاح أيضاً أنّ المراد من ثقل الظهر هنا المسؤولية الاخروية، كما ورد هذا المضمون في قوله تعالى: «وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَّعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ» [١].
والظاهر أنّ هذا الاحتمال بعيد عن المقصود، لأنّ الإمام عليه السلام يقول: إنّني ساعاقبك بما يترتّب عليه هذه العواقب الثلاث، ونعلم أنّ المسؤولية يوم القيامة بسبب الخيانة حتمية ولا تحتاج لتشديد الإمام عليه السلام ولا ترتبط بإنزال العقوبة بحقّه.
وجملة «ضَئِيلَ الْأَمْرِ» مع الالتفات إلى أنّ كلمة «ضَئِيل» تأتي بمعنى الحقير والضعيف والمهين، فإنّ مفهومها هو أنّك إذا ارتكبت الخيانة وعرف الناس منك ذلك، فسوف تعيش بعد ذلك بين الناس حقيراً ومهيناً وذليلًا.
وأساساً فإنّ الخيانة، لاسيّما الخيانة في الأموال وخاصّة في بيت المال، منشأ الفضيحة في الدنيا والآخرة، وهذه الحقيقة لا تنحصر بزياد بن أبيه في صورة خيانته
[١]. سورة العنكبوت، الآية ١٣.