نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٣ - الشرح والتفسير شمول الرأفة الإسلاميّة لجميع الناس
أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَقَسْوَةً، وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةً، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلًا لِأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلَا أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ، فَالْبَسْ لَهُمْ جِلْبَاباً مِنَ اللِّينِ تَشُوبُهُ بِطَرَفٍ مِنَ الشِّدَّةِ، وَدَاوِلْ لَهُمْ بَيْنَ الْقَسْوَةِ وَالرَّأْفَةِ، وَامْزُجْ لَهُمْ بَيْنَ التَّقْرِيبِ وَالْإِدْنَاءِ، وَالْإِبْعَادِ وَالْإِقْصَاءِ.
إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
الشرح والتفسير: شمول الرأفة الإسلاميّة لجميع الناس
رأينا فيما تقدّم آنفاً أنّ المخاطب بهذه الرسالة والي الإمام عليه السلام على فارس والبحرين وأنّه كان يستخدم اسلوب الشدّة والقسوة مع جماعة من المجوس الذين كانوا يعيشون في تلك المنطقة، وبما أنّ هؤلاء كانوا يعتقدون بعدالة الإمام عليه السلام وأخلاقه الحسنة، فلذلك كتبوا إليه هذه الرسالة يشكون من سوء معاملة الوالي، وفي هذه الرسالة العميقة المضمون والتي تعتبر دستوراً لجميع الولاة والامراء، يقول الإمام عليه السلام: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ دَهَاقِينَ [١] أَهْلِ بَلَدِكَ شَكَوْا مِنْكَ غِلْظَةً وَقَسْوَةً، وَاحْتِقَاراً وَجَفْوَةً، وَنَظَرْتُ فَلَمْ أَرَهُمْ أَهْلًا لِأَنْ يُدْنَوْا لِشِرْكِهِمْ، وَلَا أَنْ يُقْصَوْا وَيُجْفَوْا لِعَهْدِهِمْ».
وقد أشار الإمام عليه السلام في هذه العبارات إلى أربع نقاط تتّصل بأعمال الوالي السيئة
[١]. «دهاقين» جمع «دهقان» وأصل هذه الكلمة فارسية «دهكان» أو «دهبان» بمعنى كبير القرية الرئيس، الزعيم، وأحياناً تطلق على كل فلاح، ولكن الأنسب في العبارة أعلاه المعنى الأول، لأنّ الرؤساء وكبار القرية هم الذين يكتبون الشكاوى.