نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٧ - الشرح والتفسير إطفاء نار الفتنة بماء المداراة
ويقرّر الإمام عليه السلام هذا المعنى في كلماته القصار، في إشارة إلى أصل كلّي حيث يقول: «عاتِبْ أخاكَ بِالْإِحْسانِ إِلَيْهِ وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالْإِنْعامِ عَلَيْهِ» [١].
ثمّ يدخل الإمام عليه السلام بعد ذكر هذه المقدّمة إلى أصل المطلب ويقول: «وَقَدْ بَلَغَنِي تَنَمُّرُكَ [٢] لِبَنِي تَمِيمٍ، وَغِلْظَتُك عَلَيْهِمْ».
ثم يذكر الإمام عليه السلام بعض الصفات والخصال لقبيلة بني تميم تدلّ لياقتهم للعفو والصفح والاحترام.
يقول الإمام في بيان الصفة الاولى منهم: «وَإِنَّ بَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَغِبْ لَهُمْ نَجْمٌ إِلَّا طَلَعَ لَهُمْ آخَرُ».
والتعبير بالنجم إشارة إلى أنّهم يتمتّعون دوماً بوجود شخصيات كبيرة وجديرة بالاحترام بحيث إنّه لو مات أحد فسيحلّ نجم آخر محلّه، ولهذا تتوفّر في القبائل العربية دوماً رجال مدراء ومفكرون.
وفي الخصلة الثانية يشير الإمام عليه السلام إلى شجاعتهم ويقول: «وَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْبَقُوا بِوَغْمٍ [٣] فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ».
ومع الالتفات إلى أنّ كلمة «وَغْم» تعني في اللغة الحرب، وكذلك تعني الحقد والحسد، فهذا الاحتمال الأخير وارد في تفسير الجملة المذكورة وأنّهم جماعة تستبطن الحقد، ولو تصدّى لهم مَن يثير أمامهم الأذى والضرر فإنّهم يواجهونه بالمثل ويثيرون الفتنة حينئذٍ، ولكن بالنظر إلى ما تقدّم من كلام الإمام عليه السلام في مدحهم فإنّ هذه التفسير بعيد عن سياقات الكلام.
وفي الخصلة الثالثة والأخيرة لهم يقول الإمام عليه السلام: «وَإِنَّ لَهُمْ بِنَا رَحِماً مَاسَّةً [٤]، وَقَرَابَةً خَاصَّةً، نَحْنُ مَأْجُورُونَ عَلَى صِلَتِهَا، وَمَأْزُورُونَ [٥] عَلَى قَطِيعَتِهَا».
[١]. نهجالبلاغة، الكلمات القصار، ١٥٨.
[٢]. «تنمّر» بمعنى الغضب الشديد وسوء المعاملة، من مادة «نمر» على وزن «كبد» وهو الحيوان المعروف.
[٣]. «وغم» وهذه المفردة تأتي بمعنى الحرب وكذلك بمعنى الحقد.
[٤]. «ماسّة» بمعنى القريبة والحميمة من مادة «مسّ» وهو إتصال الأبدان.
[٥]. «مأزورون» بمعنى المذنبون من مادة «وزر» وهو الذنب.