نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٦ - الشرح والتفسير إطفاء نار الفتنة بماء المداراة
إِبْلِيسَ، وَمَغْرِسُ [١] الْفِتَنِ، فَحَادِثْ [٢] أَهْلَهَا بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ، وَاحْلُلْ عُقْدَةَ الْخَوْفِ عَنْ قُلُوبِهِمْ».
أما قوله: «أَنَّ الْبَصْرَةَ مَهْبِطُ إِبْلِيسَ، وَمَغْرِسُ الْفِتَنِ» فهو إشارة إلى وجود أقوام من مختلف الأنحاء تعيش في البصرة وتوجد بينهم مشاكل، وكذلك يواجهون مشاكل من القادمين إلى هذه المنطقة، ولعلّه لهذا السبب اختار طلحة والزبير وعائشة البصرة لإشعال نار الفتنة ضدّ الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام، وخاصّة أنّ البصرة تعدّ أهم ميناء للعراق، والموانىء عادة تكون مستقرّ أقوام ومجاميع مختلفة ممّن يأتون إلى هذه المدينة من مناطق مختلفة، وهذا بدوره يؤدّي إلى وجود بعض الخلل والاشكاليّات في أجواء هذه المناطق من الناحية الثقافية والاجتماعية، إلّاأن يخضع أهالي هذه المناطق إلى التعليم الأخلاقيّ والثقافي المستمرّ، وقد ذهب البعض إلى أنّ إبليس عندما هبط إلى الأرض كانت البصرة أوّل محلّ حطّ فيه قدمه، ولكن لا يوجد لدينا دليل لإثبات صحّة هذا المطلب.
المهم أنّ الإمام عليه السلام أمر ابن عباس أن يتّخذ أفضل الطرق لإعادة الهدوء والاستقرار انطلاقاً من مضمون الآية الشريفة: «ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ* وَما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذينَ صَبَرُوا وَما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظيمٍ» [٣]. وهذا يعني أنّ ابن عباس ينبغي له أن يستخدم اسلوب الإحسان معهم في مقابل موفقهم السيّء يوم الجمل، لكي يغسل درن الأحقاد والكراهية ويجعلهم يعيشون الندم والخجل على ما بدر منهم، وربّما كانت مخالفتهم له بسبب خوفهم من العقوبة والانتقام، فعندما يتعامل معهم ابن عباس بالرأفة والرحمة، فهذا من شأنه أن يعيد إليهم روح الهدوء والطمأنينة ويزيل حالات الخوف والقلق.
[١]. «مغرس» في الأصل بمعنى محلّ غرس الأشجار. ثم اطلق على محل ظهور كلّ شيء.
[٢]. «حادث» صيغة أمر من «المحادثة» بمعنى المراقبة والتحقيق وإزالة الصدأ، يعني غسل القلوب وتطهيرها من درن الأحقاد ورسوبات النزاعات السابقة.
[٣]. سورة فصلت، الآيتان ٣٤ و ٣٥.