نفحات الولاية - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦٨ - ٢ الخلق الإسلامي في مقابل العدو
إلّا ما وافق الكتاب والسنّة، وكان معاوية يستعمل خلاف الكتاب والسنّة كما يستعمل الكتاب والسنّة، ويستعمل جميع المكائد حلالها وحرامها، ويسير في حروبه بسيرة ملك الهند إذا لاقى كسرى، وسيرة خاقان إذا لا قى رتبيل، وعليّ يقول في حروبه: «لا تبدأوهم بالقتال حتى يبدأوكم، ولا تتبعوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح ولا تفتحوا باباً مغلقاً» هذه سيرته في ذي الكلاع وأبي الأعور السلمي وعمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وفي جميع الرؤساء، كسيرته في الحاشية والحشو والاتّباع والسفلة، وأصحاب الحروب إن قدروا على البيات بيّتوا وإن قدروا على رضخ الجميع بالجندل وهم نيام فعلوا، وإن أمكن ذلك في طرفة عين لم يؤخروه إلى ساعة، وإن كان الحرق أعجل من الغرق لم يقتصروا على الغرق ولم يؤخّروا الحرق إلى وقت الغرق، وإن أمكن الهدم لم يتكلّفوا الحصار، ولم يدعوا أن نصبوا المجانيق والعرادات، والنقب والتسريب والدبابات والكمين، ولم يدعوا دسّ السموم ولا التضريب بين الناس بالكذب وطرح الكتب في عساكرهم بالسعايات وتوهيم الأمور ويجاش بعض من بعض وقتلهم بكلّ آلة وحيلة، وكيف وقع القتل، وكيف دارت بهم الحال، فمن اقتصر من التدبير على ما في الكتاب والسنّة كان قد منع نفسه الطويل العريض من التدبير وما لا يتناهى من المكائد، والكذب أكثر من الصدق، والحرام أكثر من الحلال.
فعليّ عليه السلام كان ملجماً بالورع عن جميع القول إلى ما هو للَّهرضى، وممنوع اليدين من كلّ بطش إلّاما هو للَّهرضى، ولا يرضى الرضا إلّافيما يرضاه اللَّه ويحبّه، ولا يرى الرضا إلّافيما دلّ عليه الكتاب والسنّة، دون ما يقول أصحاب الدهاء والنكراء والمكائد والآراء، فلما أبصرَت العوامّ كثرة غرائب معاوية ظنّوا بقصر عقولهم وقلّة علومهم أنّ ذلك من رجحان عند معاوية ونقصان عند عليّ عليه السلام [١].
والنقطة المهمّة هنا والتي لا ينبغي الغفلة عنها، هي أنّ الإمام عليّ عليه السلام وجميع
[١]. شرح نهجالبلاغة العلّامة التستري، ج ١٣، ص ٥١٤.