حكم النبى الأعظم - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٥ - المدخل نظرة في حكم النبي الأعظم لمحمد على مهدوى راد
الْمُشْرِكُونَ".[١] كلّ ذلك لم يكن ليخفى على الشخصيات الواعية في التاريخ، اولئك الذين كانوا يعرفون مسار الحقائق ويدركون كيفية نفوذ الفكر والكلام، سواء في ذلك الذين كانوا يدركون هذه الحقيقة ولكنّهم لا يحتملونها فكانوا يتّخذون موقف العداء والمواجهة، والذين كانوا يدركون هذه الحقيقة ويحتملونها ويذعنون إليها خاضعين ويحنون رؤوسهم أمام عظمتها. والآن لنتأمّل نموذجا من كلّ واحد من هذين الاتّجاهين:
روي أنّ الوليد بن المغيرة وكان من ألدّ أعداء النبيّ صلى اللّه عليه و آله قال بعد سماع آيات من القرآن:
واللّه قد سمعت من محمّدٍ آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه ليعلو ولا يُعلى عليه.[٢] وقال أنيس بن جنادة، الذي كان من أبلغ شعراء العصر الجاهلي ومن جملة نقّاد محافل الشعر في ذلك العصر، بعد التصريح بأنّه وضع الكلام الذي جاء به رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله على ميزان النقد مع أبلغ الأشعار والأقوال:
فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنّه شعر، واللّه إنّهُ لصادق وإنّهم لكاذبون.[٣] وهكذا فقد أذعن أصحاب القلوب الطاهرة أمام الحقّ، وتحلّقوا كالفراشات حول شمعة وجود النبيّ صلى اللّه عليه و آله، واستماتوا في الدفاع عنه. وأمّا أصحاب القلوب المريضة والنفوس المظلمة فقد اصطفّوا في ذلك العصر وما بعده وعلى مرّ التاريخ معلنين الحرب على تعاليمه السامية، وسعوا بأساليب مختلفة من أجل النيل من شخصيّة النبيّ صلى اللّه عليه و آله وتحريف وقلب صورته الجميلة، ولم يألوا جهدا منذ أقدم العصور حتّى القرون الأخيرة، حيث ظهرت واتّسعت دراسات المستشرقين وبحوثهم في
[١] التوبة: ٣٣.
[٢] مجمع البيان: ج ٥ ص ٣٨٧.
[٣] الإصابة: ج ٣ ص ٣٣٩، الشفا بتعريف حقوق المصطفى: ج ١ ص ٣٧١.