الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٢٢ - باب ذمّ الدنيا والزهد فيها
فراق فاصلٌ ونوى شطونٌ* * * وشغل لا يلبث للوداع
وكلّ إخوّةٌ لابدّ يوماً* * * وإن طال الوصال إلى انقطاعِ
وأنّ متاع دنيانا قليلُ* * * وما يُجدي القليل من المتَاع
وصار قليلها حرجاً عسيراً* * * تشتّت بين أنياب السِّباع
فلم يطلب علوّ القدر فيها* * * وعزّ النفس إلّاكلّ طاغ
فإن نال النفيس من المغاني* * * فليس لنيلها طيب المساغ
إذا بلغ المُراد علوّ عزٍّ* * * تولّى واضمحل مع البلاغ
كقصرٍ قد تهدّم جانباه* * * إذا صار البناء إلى الفراغ
أقول وقد رأيت ملوك عصري* * * ألا لا يبغين ذا الملك باغ
أأقصد بالملامة قصد غيري* * * وأمري ظاهرٌ بادي الخلاف
إذا عاش امرىٌ خمسين عاماً* * * ولم ير فيه آثار العفاف
فلا تصحب له أبداً رشاداً* * * فقد أودى بشيمته التجافي
ولمَ لا أبذل الإنصاف منّي* * * وأبلغ طاقتي في الانتصاف
بي الويلات إن نفعت عظاتي* * * وليس الحظّ لي إلّاالقوافي
ألا أنّ السباق سباق زُهدٍ* * * وما في غير ذلك من سِباقِ
ويفنى ما حوته يداك أصلًا* * * وفعل الخير عند اللَّه باقِ
ستألفك الندامةُ عن قريبٍ* * * وتشهد حسرةً يوم المساق
أتدري أيّ يومٍ ذاك فكّر* * * وأيقن أنّه يومَ الفِراق
فراق ليس يشبهه فراق* * * قد انقطع الرجاء عن التلاقي
عجبتُ لذي التجارب كيف يسهو* * * ويتلو اللّهف بعد الاحتناك
ومرتهن الفضايح والخطايا* * * يقصّر في اجتهادٍ للفكاك
وموبقُ نفسه كسلًا وجهلًا* * * وموردها مخوفات الهلاك
سيعلم حين تفجوه المنايا* * * ويكنف حوله جمع البواكي