الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٢ - باب فيه نُكَتٌ ونُتفٌ من التنزيل في الولاية
معها ذلك، وهذا الجعل هو الإيجاد، وأليق ما يعبّر به عن تلك الحالة وجودُ ماهيّة هو بها، وليس بالوجود الواجبي الغنيّ المطلق؛ إذ هو حالة الماهيّة، ولا يتصوّر غناء الحالة عن ذي الحالة.
فالممكن قسمان: قسم لم يصدق عليه بعدُ أنّه موجود في الأعيان، وهو الحالة وذو الحالة في مرتبة العلم، وقسم صدق أنّه موجود، وهو ذاتك في مرتبة ترتّب الآثار الخارجيّة، ومنشأ الصدق إقامة القيّوم الحقّ كلّاً منهما بالآخر إقامةً مجهولة الكنه، مجهولة الكيفيّة، والسبيل إلى تحقّقها مشاهدة ترتّب الآثار على ما ينحلّ في العقل بما لا يكون من حيث إنّه هو منشأً لصحّة ترتّب آثاره عليه في الخارج، وإلى ما به صحّ حين صحّ، وليس أمراً عدميّاً بالضرورة ومن شأنه أن ينعدم بفقد ذي الحالة، كما ينعدم ذو الحالة بفقده؛ كلّ ذلك بحكم القيّوم النافذ في الجميع.
ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون منشأ صدق الموجود على الماهيّة نفسَ إقامة القيّوم المجهول كيفيّتها الكاشف عنها ترتّب الآثار الخارجيّة، ولا يكون للمهيّة حالة خارجيّة وعليها إقامة اللَّه، وبها قامت المهيّة ويعبّر عنها بالوجود؛ لترتّب الآثار بها، بل الترتّب لنفس الإقامة التي هي فعل اللَّه لا مفعوله، وهي المصحّحة لإطلاق لفظ الموجود على الماهيّة وانتزاع الوجود اللغوي- الذي هو كون الشيء- من جهتها فقط، فالأعيان الممكنة إنّما هي مهيّات مطابقة لما علمه اللَّه تعالى من ذاته قد أقامها اللَّه بمجرّد حكمه النافذ وقضائه الماضي الذي عبّر عنه ب «كن» وبالإمساك، قال اللَّه تعالى:
«إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [١] وقال تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا».
فالممكن الموجود هو الماهيّة بشرط إمساك اللَّه تعالى، والإمساكُ وما يرادفه من الإيجاد والخلق ليس أمراً موجوداً بالإيجاد، ولا يقال: إنّ اللَّه أوجد الإيجاد، ولا يقال:
إنّه وجود الماهيّة، بل هو فعل اللَّه، لا مفعوله، وخلق اللَّه، لا مخلوقه، وكما لا كيف له لا
[١]. يس (٣٦): ٨٢.