الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٣٣ - باب فيه نُكَتٌ ونُتفٌ من التنزيل في الولاية
كيف لفعله أيضاً، وإذا خلق ماهيّة ظهر معلوم من معلومات اللَّه تعالى، وانتزع منها الكون الذي هو معنى اعتباري، وترتّبت عليها الآثار، وإذا لم يخلق فلا ماهيّة ولا كون، فليس في الأعيان إلّاماهيّة اوجدت، لا وجود ومهيّة، ولو سمّى أحد إيجاد الماهيّة وفعلها وجودَها، فلا مناقشة معه إذا لم يقل إنّ الإيجاد إعطاء الوجود بمعنى أمر خارجي عيني يحصل بالإيجاد.
وبالجملة، الإيجاد معنى مجهول الكنه والكيفيّة، والأعيان من الجواهر، والأعراض آثاره، سمّيت مهيّاتٍ لاختلاف معانيها وما يصدر منها ويترتّب عليها، وسمّيت موجوداتٍ لصحّة انتزاع الوجود بمعنى الكون البديهي لكلّ ذي شعور منها ببركة الإيجاد، وإذ لا شكّ أنّ الموجودين بإقامة القائم بالذات وإمساكه غير موجود في حدّ ذاتهم، والكون المنتزع منهم مضمحلّ في جنب الكون المنتزع منه، فلو قال أحد بوحدة الوجود والموجود بهذا المعنى لم يكن عليه نكير بعد أن علم أنّ صدقهما عليه تعالى مجاز؛ لعلاقة كون ذاته الأقدس بأنّه هو هو مناط لصحّة صدور الآثار، كما أنّ الماهيّة باعتبار إقامة القيّوم الحقّ مناط لها. فإذا قيل: إنّي صدّقت بوجود اللَّه، ينبغي أن يعنى بذلك: إنّي صدّقت بكونه تعالى المفهوم من كون ذوات فاقرة، فلا محيص لها عن كون ذات غنيّ على الإطلاق.
ويشهد لما قلناه- من أنّه إذا قيل: وجوده تعالى بمعنى كونه المفهوم المدرك لا حقيقة تعالى- ما قال الصادق ٧ في المجلس الرابع من كتاب توحيد المفضّل: «فإن قالوا: كيف يعقل أن يكون مبايناً لكلّ شيء متعالياً؟ قيل له: الحقّ الذي يطلب معرفته من الأشياء هو أربعة أوجه: فأوّلها: أن ينظر أموجود هو أم ليس بموجود؟ والثاني: أن يعرف ما هو في ذاته وجوهره؟ والثالث: أن يعرف كيف هو وما صفته؟ والرابع: أن يعلم لماذا هو، ولأيّ علّة؟ وليس من هذه الوجوه شيء يمكن للمخلوق أن يعرفه من الخالق حقّ معرفته غير أنّه موجود فقط» الحديث [١].
[١]. توحيد المفضّل، ص ١٧٩. وعنه في بحارالأنوار، ج ٣، ص ١٤٨.