الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٤٥ - باب السبق إلى الإيمان
شاكلتهم، لم يثنهم ريبٌ في بصيرتهم، ولم يختلجهم شكٌّ في قفو آثارهم، والايتمام بهداية منارهم، مكانفين وموازرين لهم، يدينون بدينهم، ويهتدون بهديهم، يتّفقون عليهم، ولا يتّهمونهم فيما أدّوا إليهم.
اللّهمَّ وصلِّ على التابعين من يومنا هذا إلى يوم الدِّين، وعلى أزواجهم وعلى ذرّيّاتهم، وعلى من أطاعك منهم، صلاةً تعصمهم بها من معصيتك، وتفسح لهم في رياض جنّتك، وتمنعهم بها من كيد الشيطان، وتعينهم بها على ما استعانوك عليه من برّ، وتقيهم بها طوارق الليل والنهار، إلّا طارقاً يطرق بخير وتبعثهم بها على اعتقاد حسن الرجاء لك، والطمع فيما عندك، وترك التهمة فيما تحويه أيدي العباد لتردّهم إلى الرغبة إليك والرهبة منك، وتزهّدهم في سعة العاجل، وتحبّب إليهم العمل للآجل، والاستعداد لما بعد الموت، وتهوّن عليهم كلّ كربٍ يحلّ بهم يوم خروج الأنفس من أبدانها، وتعافيهم ممّا تقع به الفتنة من محذوراتها، وكبّة النار، وطول الخلود فيها، وتصيّرهم إلى أمنٍ من مقيل المتّقين. [١]
والحاصل أنّ التفاضل كما كان من جهة قوّة إيمان الأوّلين زائدة على قوّة إيمان من بعدهم وإن كان أكثر علماً منهم، والمراد بالإيمان هو تلقّي ما استيقنته النفس بالقبول واليقين بحسب قلّة المعارف وكثرتها على مراتب، والقبول أيضاً بحسب ذلك على مراتب، أصل ذلك كلّه طهارة الطينة وقربها من طينة الأنبياء والأئمّة :.
وناهيك شاهداً على ذلك ما في قصّة بلوهر الحكيم المنقولة في كتاب إكمال الدين وإتمام النعمة من حكاية الطير المسمّى بالقدم وبيضه. [٢]
وكثرة العمل لا يستلزم قوّة الإيمان، كما دلّ عليه الأخبار المستفيضة، فلذلك ليست مناط التفاضل.
ومن تلك الأخبار ما سبق في كتاب العقل في حديث هشام أنّ قليل العمل من العاقل مقبول مضاعف، وكثير العمل من أهل الهوى والجهل مردود.
وفي الحديث: «نومٌ على يقين خيرٌ من عبادةٍ مع شكّ [٣]». [٤]
[١]. الصحيفة السجّاديّة، ص ٤، الدعاء (٤).
[٢]. كمال الدين، ح ٢، ص ٥٧٧.
[٣]. في المصدر: «خير من صلاة في شكّ».
[٤]. نهج البلاغة، ص ٤٨٥، ح ٩٧.