الذريعة إلى حافظ الشريعة - رفيع الدين محمد الجيلاني - الصفحة ٢٤٤ - باب السبق إلى الإيمان
يتيسّر لمن هو مسبوق أن يسعى ويسبق على سابقه، وكذا لا يستتبّ للمفضول أن يكتسب الكمال، ويفضل على فاضله.
وفي كلام أمير المؤمنين ٧ في نهج البلاغة: «ألا وأنّ اليوم المضمار وغداً السباق». [١]
قوله ٧: (تفاضَلَ بذلك أوائل هذه الامّة و أواخرُها). [ح ١/ ١٥٢٩]
أي بالسبق على درجات الإيمان لا بالعمل أو الزمان، ومرجع ذلك إلى مراتب التصديق وتسخير جنود الجهل التي يعارض ويعلق النفس.
والغرض أنّ أوائل هذه الامّة وأواخرها- أعني المهاجرين والأنصار والتابعين- كانوا في قوّة الإيمان على الترتيب الأعلى فالأعلى، ولذلك قدّم اللَّه بعضهم على بعض في كتابه على ذلك الترتيب بقوله: «وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ» [٢].
واعتبر قوّة إيمانهم من كلام سيّد الساجدين ٧ في الصحيفة الكاملة حيث قال في دعاء الصلاة على أتباع الرسل:
اللّهمَّ وأصحاب محمّد خاصّة الذين أحسنوا الصحابة، والذين ابلوا البلاء الحسن في نصره، وكانفوه، وأسرعوا إلى وفادته، وسابقوا إلى دعوته، واستجابوا له حيث أسمعهم حجّة رسالاته، وفارقوا الأزواج والأولاد في إظهار كلمته، وقاتلوا الآباء والأبناء في تثبيت نبوّته، وانتصروا به، ومن كانوا منطوين على محبّته يرجون تجارةً لن تبور في مودّته، والذين هجرتهم العشائر إذ تعلّقوا بعروته، وانتفت منهم القرابات إذ سكنو في ظلّ قرابته، فلا تنس لهم اللّهمَّ ما تركوا لك وفيك، وأرضهم من رضوانك، وبما حاشوا الخلق عليك، وكانوا مع رسولك دُعاةً لك إليك، واشكرهم على هجرهم فيك ديار قومهم، وخروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه، ومن كثرت في إعزاز دينك من مظلومهم.
اللّهمَّ وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون ربّنا اغفر لنا و لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان خير جزائك الذين قصدوا سمتهم، وتحرّوا وجهتهم، ومَضَوا على
[١]. نهج البلاغة، ص ٧١، الخطبة ٢٨.
[٢]. التوبة (٩): ١٠٠.