مجموعة الرسائل - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ١٢٩
المبحث الثامن: ان قيل: جا في بعض الاحاديث المروية في باب البدا ان لله علمان: علم علمه ملائكته ورسله فذلك لايجى فيه البدا، وعلم مخزون عنده لم يطلع عليه احدا من خلقه فذلك الذى يقع فيه البدا، وانتم قد اجبتم عن الاخبار التى دلت على وقوع البدا فيما علمه الله تعالى بعض رسله بحمل العلم الاول على الامور التبليغية، وما من شان النبي بيانه وارشاد الناس إليه، والاعلام به، وايضا اختصاص مفاد ما دل على وقوع البدا فيما علمه الله تعالى رسله على موارد ظهر وجه الحكمة فيها على الخلق فصار مويدا للنبى، وموجبا لمزيد الايمان به. إذا فكيف يوفق بين هذه الاخبار، والاخبار التى رواها الكليني رضوان الله تعالى عليه، الدالة على ان النبي والائمة صلوات الله عليهم كانوا عالمين بما كان وما يكون وما هو كائن، وكيف يوجه هذا التقسيم وحصر علمهم فيما لايجى فيه البدا ؟ اقول: اولا: يستفاد من قوله عليه السلام في هذه الاحاديث (فانه يكون ولا يكذب نفسه ولا ملائكته ولارسله) ان المراد من العلم المخزون عنده هو ما لم يطلع عليه احدا بهذه الخصوصية أي لما لم يطلع عليه احدا وقوع البدا فيه، لا يستلزم تكذيب الله وتكذيب ملائكته ورسله، دون ما علمه ملائكته ورسله، ومن المعلوم ان ما علمه انبيائه انما يستلزم تكذيبهم لو كانوا مامورين باخبار القوم به، واما لو لم يخبروا الناس به وعلمهم الله تعالى ليكون مخزونا عندهم لا يستلزم ذلك تكذيبهم، فان الملائكة والانبيا بل المومنين الكاملين لا يكذبون الله ولارسله إذا وقع البدا فيما اخبروا عنه، إذا ليس نفس التعليم مستلزما للتكذيب بل اخبارهم الناس بما علمهم الله تعالى ووقوع البدا فيه يجعلهم معرضا لتكذيب الجاحدين، والمنافقين، وضعفا النفوس والايمان، وعلى هذا لا يستفاد من الحديث ما يخالف ما يدل على سعة علم الائمة عليهم السلام بل يدل على ان ما علمهم، ولم ياذن لهم بالاخبار عنه، لا يقع فيه البدا، كما يدل بالمنطوق على ان الله تعالى أو النبي أو الولى إذا اخبروا الناس عن امر لا يقع فيه البدا فالحديث يوضح محل البدا، وليس في مقام تعيين مقدار ما يتعلق علم النبي والامام به من المغيبات. وثانيا: ما كان مخزونا عند الله تعالى يشمل ما كان مخزونا عند ملائكته ورسله والائمة عليهم السلام باذنه ولم ياذن لهم ان يخبروا به احدا من خلقه بل ما يقبل التقسيم هو ما عندهم دون ما هو عنده، لان هذا التقسيم ان كان بملاحظة خصوصية في المعلوم وامتياز بعضه عن بعض فلا يوجد خصوصية في العلم وتعدد علم الباري جل شانه، فان علمه يتعلق بكل ما يجوز ان يكون معلوما ومتعلقا للعلم على وزان واحد. فكما لا يجوز الاشارة إلى ذاته منحازا عن صفاته، لا يجوز الاشارة إلى صفات ذاته منحازا عن ذاته، ولايجوز الاشارة إلى علمه بخصوصية تعلقه إلى المعلوم المعين ممتازا عن