مجموعة الرسائل - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ٣٤٤
عليها الزمان، فمضت العصور التى استعبدت الناس فيها جبابرة الامويين والعباسيين، ومضت الاعصار التى كان فيها تأليف الكتب وجوامع الحديث تحت مراقبة جواسيس الحكومة. مضت العصور التى كان العلما فيها تحت اضطهاد شديد، والعمال والولاة يتقربون إلى الخلفا والامرا بقتل الابريا، ونفيهم عن اوطانهم وتعذيبهم في السجون، وقطع ايديهم وارجلهم. مضى الذين شجعوا العمل على التفرقة واختلاف الكلمة، واشعال الحروب الداخلية. مضت السياسات التى سلبت عن مثل النسائي حرية العقيدة والراى وقتلته شر قتلة. مضى عهد الجبابرة الذين صرفوا بيوت اموال المسلمين في سبيل شهواتهم، واتخاذ القينات والمعازف هواية لهم. مضت العصور التى سبوا فيها على المنابر اعظم شخصية ظهرت في الاسلام، لا يريدون بسبه الا سب الرسول صلى الله عليه وآله. مضت الازمنة التى كان يرمى فيها بعض المسلمين بعضهم بالافترا والبهتان وحتى الكفر والالحاد. مضت العصور المظلمة التى عاشت فيها كل فرقة وطائفة من المسلمين كامة خاصة لا يهمها ما ينزل على غيرها من المصائب والشدائد، ولم يكن بينهم أي تعاون أو ادنى تجاوب. نعم قد مضت تلك العصور، وظهرت في تاريخ الاسلام صحائف مشرقة مملوة بنور الايمان والاخوة الاسلامية، فقامت جماعة من المصلحين المجاهدين بالدعوة إلى الاصلاح والاتحاد، فادركوا ان آخر هذا الدين لا يصلح الا بما صلح به اوله، واعلنوا ان المستقبل للاسلام، و (ان الارض لله يورثها من يشا من عباده والعاقبة للمتقين). فدعوا إلى اتباع الكتاب والسنة، ورفض العصبيات: العصبية الشعوبية، والعصبية المذهبية والقبيلية، فادوا رسالتهم في شرق البلاد الاسلامية وغربها، ورزقهم الله التوفيق في توحيد الكلمة، وجمع شمل الامة، فاثرت اعمالهم الاصلاحية في نفوس المسلمين اثرا جميلا، ولبى دعوتهم جم غفير من الغيارى على الاسلام من العلما الافذاذ وغيرهم. فكان من ثمرات هذه الجهود الكبرى بل ومن احلى اثمارها تأسيس دار التقريب بين المذاهب الاسلامية في القاهرة، واصدار مجلة (رسالة الاسلام) العالمية التى جعلت