دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٧٦ - (المسألة الثانية فيما اشتبه حكمه الشرعي من جهة إجمال اللفظ
و فيه ما لا يخفى، فإنّ القائل بالبراءة الأصليّة إن رجع إليها من باب حكم العقل بقبح العقاب من دون البيان فلا يرجع ذلك إلى دعوى كون حكم اللّه هو الاستحباب، فضلا عن تعليل ذلك بالبراءة الأصليّة، و إن رجع إليها بدعوى حصول الظنّ، فحديث تبعيّة الأحكام للمصالح و عدم تبعيّتها- كما عليه الأشاعرة- أجنبيّ عن ذلك، إذ الواجب عليه إقامة الدليل على اعتبار هذا الظنّ المتعلّق بحكم اللّه الواقعي الصادر عن المصلحة أو لا عنها، على الخلاف.
من كون الأحكام تابعة للمصالح (رجم بالغيب و جرأة بلا ريب) لا يصدر عن فاضل، فضلا عن فقيه عادل، لأنّ المصلحة لا تقتضي الاستحباب دائما، بل قد تقتضي غيره.
(انتهى) كلام صاحب الحدائق.
(و فيه ما لا يخفى ... إلى آخره).
أي: و في كلام صاحب الحدائق من الإشكال ما لا يخفى، و لتوضيح الإشكال نقدّم مقدمة و هي:
إنّ الرجوع إلى البراءة لمن يرجع إليها لا يخلو عن أحد احتمالين:
أحدهما: إنّه يرجع إليها من باب تعبّد الشارع المستفاد من الآيات و الروايات بنفي تنجّز التكليف المجهول على الجاهل، و حكم العقل بقبح العقاب من دون البيان.
و ثانيهما: إنّه يرجع إليها من باب حصول الظنّ من البراءة الأصليّة بالجواز الواقعي المستلزم للظنّ بالاستحباب، و من هذا يتّضح لك ما يرد على كلام صاحب الحدائق، و ذلك لأنّه إن كان مراده الاحتمال الأوّل، فلا يرجع ذلك إلى دعوى كون حكم اللّه الواقعي هو الاستحباب، لأنّ المقصود- حينئذ- هو نفي تنجّز التكليف و نفي العقاب، لا إثبات الجواز الواقعي حتى يجعل مرجّحا للاستحباب، فلا يصحّ تعليل الحكم بالاستحباب بكونه موافقا للبراءة الأصليّة، كما لا يخفى.
و إن كان مراده الاحتمال الثاني، لكان حديث تبعيّة الأحكام للمصالح، و عدم تبعيّتها- كما عليه الأشاعرة- أجنبيّا عن ذلك، لأنّ عدم التبعيّة لا يمنع من حصول الظنّ من البراءة الأصليّة، و التبعيّة لا توجب حصول الظنّ منها على الجواز الواقعي المرجّح للاستحباب، فلا ربط للتبعيّة و عدمها إذا في حصول الظنّ على الجواز من البراءة الأصليّة، بل لا بدّ-