دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٢١ - (الثالث إنّ وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين إنّما هو مع تنجّز التكليف بالحرام الواقعي على كلّ تقدير)
فلو لم يكن كذلك بأن لم يكلّف به أصلا، كما لو علم بوقوع قطرة من البول في أحد الإناءين أحدهما بول أو متنجّس بالبول، أو كثير لا ينفعل بالنجاسة، أو أحد ثوبين أحدهما نجس بتمامه لم يجب الاجتناب عن الآخر، لعدم العلم بحدوث التكليف بالاجتناب عن ملاقي هذه القطرة، إذ لو كان ملاقيها هو الإناء النجس لم يحدث بسببه تكليف بالاجتناب أصلا، فالشكّ في التكليف بالاجتناب عن الآخر شكّ في أصل التكليف، لا المكلّف به.
و كذا لو كان التكليف في أحدهما معلوما، لكن لا على وجه التنجّز، بل معلّقا على تمكّن المكلّف منه، فإنّ ما لا يمكّن المكلّف من ارتكابه لا يكلّف منجّزا بالاجتناب عنه، كما لو علم وقوع النجاسة في أحد شيئين لا يتمكّن المكلّف من ارتكاب واحد معيّن منهما، فلا يجب الاجتناب عن الآخر، لأنّ الشكّ في أصل تنجّز التكليف، لا في المكلّف به تكليفا منجّزا.
و كذا لو كان ارتكاب الواحد المعيّن ممكنا عقلا، لكنّ المكلّف أجنبي عنه و غير مبتل به بحسب حاله، كما إذا تردّد النجس بين إنائه و إناء لا دخل للمكلّف فيه أصلا، فإنّ التكليف بالاجتناب عن هذا الإناء الآخر الممكن عقلا غير منجّز عرفا، و لهذا لا يحسن التكليف
الأطراف خارجا عن محلّ ابتلاء المكلّف أو غير مقدور له، و لم يكن رافعا للتكليف، كاضطرار المكلّف إلى ارتكاب بعض الأطراف، فينتفي تنجّز التكليف في مورد العلم الإجمالي إذا انتفى قيد من القيود المذكورة، و يرجع إلى البراءة أو أصالة الطهارة أو استصحابها من دون معارض، كما أشار إلى انتفاء الاشتراط المذكور بقوله:
(فلو لم يكن كذلك).
أي: فلو لم يكن التكليف بوجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي المعلوم إجمالا منجّزا على كلّ تقدير، بأن لم يؤثّر العلم الإجمالي في إحداث تكليف جديد في أحد الطرفين أصلا، كما لو علم بنجاسة أحد الإناءين تفصيلا، ثمّ علم إجمالا بوقوع قطرة من البول في أحدهما، فهنا لا يؤثّر العلم الإجمالي في تنجّز التكليف بوجوب الاجتناب عن الإناء النجس، و ذلك لتنجّز التكليف فيه بالعلم التفصيلي، و المنجّز لا ينجّز، فيرجع الشكّ في الإناء الطاهر إلى الشكّ في أصل التكليف، فيرجع إلى البراءة و استصحاب بقاء الطهارة بلا معارض.
و هكذا فيما لو كان أحد الإناءين ممّا لا ينفعل بالنجاسة، كما لو كان كرّا حيث يرجع