دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٧٧ - ثانيهما و هو وجوب الموافقة القطعيّة و عدمه
و إن كان ثابتا وجب الاحتياط فيه بحكم العقل، إذ يحتمل أن يكون ما يرتكبه من المشتبهين هو الحرام الواقعي، فيعاقب عليه، لأنّ المفروض لمّا كان ثبوت التكليف بذلك المحرّم لم يقبح العقاب عليه إذا اتّفق ارتكابه، و لو لم يعلم به حين الارتكاب.
و اختبر ذلك من حال العبد إذا قال له المولى: اجتنب، و تحرّز عن الخمر المردّد بين هذين الإنائين، فإنّك لا تكاد ترتاب في وجوب الاحتياط، و لا فرق بين هذا الخطاب و بين أدلّة المحرّمات الثابتة في الشريعة إلّا العموم و الخصوص.
فإن قلت: أصالة الحلّ في كلا المشتبهين جارية في نفسها و معتبرة لو لا المعارض، و غاية ما يلزم في المقام تعارض الأصلين، فتخيير في العمل في أحد المشتبهين، و لا وجه لطرح
(و إن كان ثابتا)، كما هو كذلك (وجب الاحتياط فيه) لحكم العقل بوجوبه بعد ثبوت المقتضي و عدم المانع كما تقدّم، فحينئذ لو ارتكب المكلّف أحد المشتبهين، و كان حراما في الواقع فإنّه يعاقب، و عقابه لم يعدّ قبيحا.
(و اختبر ذلك)، أي: وجوب الاحتياط و عدم قبح العقاب (من حال العبد إذا قال له المولى: اجتنب، و تحرّز عن الخمر المردّد بين هذين الإنائين) فيجب عليه الاجتناب عن الإنائين قطعا.
و كذلك في المقام، إذ (لا فرق بين هذا الخطاب و بين أدلّة المحرّمات الثابتة في الشريعة إلّا العموم و الخصوص) حيث يكون المحرّم بأمر المولى في المثال خصوص فرد الخمر المردّد بين الإنائين، و بأمر الشارع كلّي الخمر كما في شرح الاستاذ الاعتمادي بتلخيص.
ثمّ إنّ القائلين بعدم وجوب الموافقة القطعيّة احتجوا بوجوه:
منها: ما أشار إليه بقوله:
(فإن قلت: أصالة الحلّ في كلا المشتبهين جارية في نفسها ... إلى آخره).
و حاصل هذا الوجه، هو أنّ أدلّة الحلّ تشمل أطراف العلم الإجمالي كما تشمل الشبهات البدويّة، فتدلّ على حلّية كلّ واحد من المشتبهين، إذ كلّ واحد منهما ممّا لم يعلم أنّه حرام بعينه، إلّا أنّها معارضة لما دلّ على الحرمة، كقول الشارع: اجتنب عن الخمر، حيث يجب الاجتناب عن الخمر المردّد بين الإنائين.
(و غاية ما يلزم في المقام تعارض الأصلين).