دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٦٢ - الكلام في وجوب الموافقة القطعيّة
و أمّا المحتمل الثاني فهو- أيضا- ليس إلّا بحكم العقل من باب المقدّمة.
و ما ذكر من «الاستصحاب»، فيه- بعد منع جريان الاستصحاب في هذا المقام من جهة حكم العقل من أوّل الأمر بوجوب الجميع، إذ بعد الإتيان بأحدهما يكون حكم العقل باقيا قطعيّا، و إلّا لم يكن حاكما بوجوب الجميع و هو خلاف الفرض-: أنّ مقتضى الاستصحاب وجوب البناء على بقاء الاشتغال حتى يحصل اليقين بارتفاعه.
أمّا وجوب تحصيل اليقين بارتفاعه فلا يدلّ عليه الاستصحاب، و إنّما يدلّ عليه العقل المستقلّ بوجوب القطع بتفريغ الذمّة عند اشتغالها، و هذا معنى الاحتياط، فمرجع الأمر إليه.
و أمّا استصحاب وجوب ما وجب سابقا في الواقع، أو استصحاب عدم الإتيان بالواجب
حتى يكون مصحّحا لنيّة الوجه و القربة.
(و أمّا المحتمل الثاني فهو- أيضا- ليس إلّا بحكم العقل من باب المقدّمة).
أي: المحتمل الثاني، فليس واجبا إلّا بالوجوب المقدّمي الذي يحكم به العقل من باب المقدّمة العلميّة، و أمّا الاستصحاب فقابل للمنع من وجهين:
الأوّل: ما أشار إليه بقوله:
(فيه بعد منع جريان الاستصحاب في هذا المقام من جهة حكم العقل من أوّل الأمر بوجوب الجميع).
و حاصل هذا الوجه أنّ المسألة في المقام عقليّة، و العقل يحكم من الأوّل بوجوب كلا المحتملين، مضافا إلى أنّه لا يعقل الشكّ في مورد حكم العقل حتى يتمسّك بالاستصحاب.
و الثاني: ما أشار إليه بقوله:
(إنّ مقتضى الاستصحاب وجوب البناء على بقاء الاشتغال حتى يحصل اليقين بارتفاعه ... إلى آخره).
و ملخّص هذا الوجه أنّ الاستصحاب إنّما يجري و يكون حجّة فيما إذا كان المستصحب بنفسه حكما شرعيّا أو يترتّب عليه حكم شرعي من دون واسطة أصلا، و المستصحب في المقام- و هو بقاء اشتغال الذمّة- ليس حكما شرعيّا، و ما يترتّب عليه- و هو وجوب تحصيل اليقين بفراغ الذمّة و القطع ببراءتها- ليس حكما شرعيّا، و إنّما هو حكم عقلي، و الاستصحاب فيه ليس بحجّة، كما لا يخفى.