دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٥٤ - الكلام في وجوب الموافقة القطعيّة
الوجوب مقدّمي، و مرجعه إلى وجوب تحصيل العلم بفراغ الذمّة و دفع احتمال ترتّب ضرر العقاب بترك بعض منهما، و هذا الوجوب إرشادي، لا تقرّب فيه أصلا، نظير أوامر الإطاعة، فإنّ امتثالها لا يوجب تقرّبا، و إنّما المقرّب نفس الإطاعة، و المقرّب هنا- أيضا- نفس الإطاعة الواقعيّة المردّدة بين الفعلين، فافهم، فإنّه لا يخلو عن دقّة.
لأنّ القربة لا تحصل إلّا بداعي الوجوب الواقعي، كأن يقول المكلّف في مقام الامتثال:
نأتي بهذا الواجب الواقعي متقرّبا به إلى اللّه تعالى، فلا تحصل القربة بإتيان المشتبهين بقصد و داعي وجوبهما المقدّمي قربة إلى اللّه تعالى، و إنّما يكون مرجع الوجوب المقدّمي و إتيان الفعل بداعيه إلى وجوب تحصيل العلم بفراغ الذمّة بعد العلم باشتغالها، بمقتضى حكم العقل بالبراءة اليقينيّة بعد الاشتغال اليقيني، كما أشار إليه المصنّف (قدّس سرّه) بقوله:
(و مرجعه إلى وجوب تحصيل العلم بفراغ الذمّة و دفع احتمال ترتّب ضرر العقاب بترك بعض منهما، و هذا الوجوب إرشادي، لا تقرّب فيه أصلا).
حيث لا يترتّب على مخالفته و موافقته إلّا ما يترتّب على الفعل، فإن كان واجبا في الواقع يترتّب على مخالفته استحقاق العقاب و على موافقته الثواب، و إلّا فلا.
(نظير أوامر الإطاعة) كقوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ [١] (فإنّ امتثالها لا يوجب تقرّبا، و إنّما المقرّب نفس الإطاعة).
و كذا في المقام حيث يكون الأمر بالاحتياط إرشادا إلى ما فيه مصلحة المكلّف من الإتيان بكلا المشتبهين دفعا لخطر مخالفة الواقع، فإتيان كلّ واحد منهما طاعة لوجوب الاحتياط لا يوجب تقرّبا، فلا يصلح أن يقصد به التقرّب.
(فافهم، فإنّه لا يخلو عن دقّة).
و دقّق النظر حتى تعلم الفرق بين الوجوب المولوي و الإرشادي من حيث المناط، حيث إنّ المناط في الوجوب المولوي هو وجود المصلحة في نفس الفعل، و لذلك قصد هذا الفعل المشتمل على المصلحة يوجب التقرّب، و هذا بخلاف الوجوب الإرشادي، حيث لم يكن المناط فيه هو المصلحة في الفعل، بل المناط فيه هو مجرّد التنبيه و الإرشاد
[١] محمّد ٦: ٣٣.