دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٧٣ - (الثالث إنّ الظاهر اختصاص أدلّة البراءة بصورة الشكّ في الوجوب التعييني،
التخييري من أنّ مقتضى أدلّتها هو رفع الضيق عن المكلّف امتنانا، فكما أنّ جريانها في الوجوب التخييري مستلزم للضيق، كذلك في المقام، لأنّ نفي الوجوب الكفائي بالبراءة مستلزم لثبوت الوجوب العيني، و هو ضيق على المكلّف فلا تجري فيه.
و يمكن فرض الشبهة في المثال المذكور موضوعيّة، و ذلك كما إذا لا يعلم المصلّي أنّه سلّم على الجميع حتى يجب عليه ردّ السلام، أو على الجالسين دون المصلّين فلا يجب عليه الرد.
فيحتمل العقاب فيما إذا علم عدم ردّ الآخرين لعذر أو لغير عذر و حينئذ يجوز له التمسّك بالبراءة.
و أمّا في جريان استصحاب عدم الوجوب، فتفصيل بين ما إذا شكّ في تعلّق الوجوب بالكلّي، و هو من سلّم عليه، أو تعلّقه بخصوص الجالسين دون المصلّي، فلا يجري- حينئذ- استصحاب عدم الوجوب للعلم الإجمالي المانع عنه، و بين ما إذا علم تعلّقه بالجالسين، و شكّ في تعلّقه بالمصلّي، فتجري أصالة عدم الوجوب؛ لأنّ الشكّ فيه يكون شكّا في وجوب زائد و لازمه عدم جواز ردّ السلام على المصلّي، كما لا يخفى.
و من هنا يظهر حكم القسم الثالث، و هو فيما إذا كان يعلم وجوب فعل على الآخر، إلّا إنّه يشكّ في أنّ وجوبه عيني عليه أو كفائي، فيجوز له التمسّك بالبراءة، و نفي الوجوب عن نفسه، لأنّ الشكّ في الوجوب بالنسبة إليه شكّ في أصل الوجوب، و هذا القسم الثالث ربّما يكون فرضا محضا.
و يمكن فرض القسم الرابع بعكس القسم الثالث، و هو فيما إذا كان المكلّف يعلم بوجوب فعل عليه، إلّا إنّه يشكّ في أنّه واجب عيني فلا يسقط بفعل الآخر، أو واجب كفائي فيسقط به، و يرجع إلى استصحاب اشتغال الذمّة بعد فعل الآخر.
و الحاصل من الجميع هو جواز التمسّك بالبراءة في بعض صور الشكّ في الوجوب الكفائي، و منه يظهر أن حكم الوجوب الكفائي في التمسّك بالبراءة ليس كحكم الوجوب التخييري في عدم جواز التمسّك بها، و لهذا قال المصنّف (قدّس سرّه):
(فافهم) للإشارة إلى أنّ المصنّف أراد خلاف الظاهر من قوله: يظهر ممّا ذكرنا، و ذلك لعدم الكلّية في هذا الظهور و ذلك لظهور حكم بعض صور الشكّ في الوجوب الكفائي ممّا ذكره في الوجوب التخييري لا جميعها، كما عرفت.