دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٣٠ - (الثالث إنّ وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين إنّما هو مع تنجّز التكليف بالحرام الواقعي على كلّ تقدير)
إلّا أنّ هذا ليس بأولى من أن يقال: إنّ الخطابات بالاجتناب عن المحرّمات مطلقة غير معلّقة، و المعلوم تقييدها بالابتلاء في موضع العلم بتقبيح العرف توجيهها من غير تعليق بالابتلاء، كما لو قال: اجتنب عن ذلك الطعام النجس الموضوع قدّام أمير البلد، مع عدم جريان العادة بابتلاء المكلّف به، أو: لا تصرّف في اللباس المغصوب الذي لبسه ذلك الملك، أو الجارية التي غصبها الملك و جعلها من خواصّ نسائه، مع عدم استحالة ابتلاء المكلّف بذلك كلّه عقلا و لا عادة، إلّا أنّه بعيد الاتّفاق، و أمّا لو شكّ في قبح التنجيز فيرجع إلى الإطلاقات.
فمرجع المسألة إلى أنّ المطلق المقيّد بقيد مشكوك التحقّق في بعض الموارد لتعذّر ضبط مفهومه على وجه لا يخفى مصداق من مصاديقه، كما هو شأن أغلب المفاهيم العرفيّة، هل
وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة في صورة الشكّ في الابتلاء، فإنّ الخطابات بالاجتناب عن المحرّمات مطلقة، و غير مقيّدة إلّا بالابتلاء فيما إذا علم عدم الابتلاء، حيث يقبّح العرف توجيهها من غير تقييد بالابتلاء.
ففي صورة الشكّ في الابتلاء يرجع إلى الإطلاق، و يحكم بوجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة، و قد أشار إليه بقوله:
(إلّا أنّ هذا ليس بأولى من أن يقال: إنّ الخطابات بالاجتناب عن المحرّمات مطلقة ... إلى آخره).
أي: الرجوع إلى الأصل العملي ليس أولى من الرجوع إلى الأصل اللفظي، بل يجب الرجوع إلى الأصل اللفظي، لأنّ الأصل اللفظي مقدّم رتبة على الأصل العملي.
فمقتضى إطلاق الخطابات بالاجتناب هو وجوب الاجتناب، و المتيقّن هو تقييدها بما علم عدم الابتلاء به، و لا يحتمل الابتلاء به إلّا بعيدا، كالمثال المذكور في المتن، (فيصير الأصل في المسألة وجوب الاجتناب) فيما لم يعلم خروج بعض الأطراف عن محلّ الابتلاء، بمقتضى التمسّك بإطلاق المطلق، و لا يسري إجمال القيد إلى إطلاق المطلق حتى يرجع إلى البراءة عن التكليف المنجّز.
و أمّا الضابط الشرعي الذي يتميّز به مورد الابتلاء عن غيره فهو صحيحة عليّ بن جعفر المتقدّمة، حيث جعل الملاك للابتلاء كلّ ما يكون من قبيل الماء في الإناء، و الملاك