دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٤٦ - المسألة الاولى منها أن يكون ذلك مع عدم النصّ المعتبر
المصنّف (قدّس سرّه) لما تقدّم عن صاحب الفصول (قدّس سرّه) من تقديم أدلّة الاحتياط على أخبار البراءة؛ لأنّ موضوع البراءة هو عدم الطريق على الحكم الشرعي نفيا أو إثباتا، و أدلّة الاحتياط طرق شرعيّة فتكون حاكمة على البراءة، إذ لا يصدق الحجب معها (و إلّا لدلّت)، أي: لو لم يكن الأمر كذلك لكانت أدلّة البراءة مقدّمة على أدلّة الاحتياط.
و من هنا يتولّد قياس استثنائي و هو أنّه لو كانت أدلّة البراءة مقدّمة على أدلّة الاحتياط لكانت مقدّمة على الأمارات الظنيّة كخبر الواحد أيضا، و التالي باطل قطعا، إذ لم يقل أحد بتقديم أدلّة البراءة على الأمارات الظنيّة، فالمقدّم مثله، أي: تقديم أدلّة البراءة على أدلّة الاحتياط، فيكون الأمر بالعكس و هو تقديم أدلّة الاحتياط على البراءة.
هذا ما تقدّم من صاحب الفصول (قدّس سرّه) فردّه المصنّف (قدّس سرّه) بما حاصله: بأنّ الملازمة غير ثابتة و ذلك للفرق بين أدلّة الاحتياط و الأمارات، فنظرا إلى هذا الفرق تنتفي الملازمة المذكورة في القياس الاستثنائي، فحكومة أدلّة البراءة حينئذ على أدلّة الاحتياط لا تستلزم حكومتها على الأمارات أيضا، بل الأمر بالعكس و هو حكومة الأمارات على البراءة، و مع ذلك تكون أدلّة البراءة حاكمة على أدلّة الاحتياط، أي: قاعدة الاشتغال.
و حاصل الفرق: إنّ الشارع نزّل مؤدّيات الأمارات بمنزلة الواقع، و قد ألغى احتمال الخلاف فيها، و جعلها- بأدلّة اعتبارها- بمنزلة القطع، فكأنّه قال الشارع: كلّ ما أدّت إليه هذه الأمارات افرضه نفس الواقع، بإلغاء احتمال تخلّفها عنه، و ترتيب آثار الواقع عليه، هذا معنى اعتبار الأمارات شرعا، و معنى قاعدة الاشتغال هو حكم العقل بالاحتياط دفعا للعقاب المحتمل المترتّب على مخالفة المأمور به و تحصيلا للأمن عن العقاب.
فإذا دلّ دليل على عدم وجوب الأكثر في المقام كأخبار البراءة لحصل الأمن من العقاب بها على ترك الأكثر، و ينتفي احتمال العقاب، فكيف يحكم العقل بالاحتياط دفعا للعقاب؟.
و حينئذ فالمتحصل، إنّ حكومة أخبار البراءة مقدّمة على قاعدة الاشتغال لأجل حصول الأمن بها عن العقاب على ترك الأكثر، و إن كان واجبا في الواقع لا تستلزم حكومتها على الأمارات و أخبار الآحاد حتى يستدلّ بالقياس الاستثنائي على تقديم أدلّة الاحتياط على أدلّة البراءة، و يقال: إنّه لو كانت أدلّة البراءة مقدّمة على أدلّة الاحتياط لكانت مقدّمة