دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٦ - المسألة الاولى فيما اشتبه حكمه الشرعي الكلّي من جهة عدم النصّ المعتبر)
ثمّ أقول: هذا المقام ممّا زلّت فيه أقدام أقوام من فحول العلماء، فحريّ بنا أن نحقّق المقام و نوضّحه بتوفيق الملك العلّام و دلالة أهل الذكر :. فنقول: التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يتمّ عند الأشاعرة المنكرين للحسن و القبح الذاتيّين، و كذلك عند من يقول بهما و لا يقول بالحرمة و الوجوب الذاتيّين، كما هو المستفاد من كلامهم :، و هو الحقّ عندي.
ثمّ على هذين المذهبين إنّما يتمّ قبل إكمال الدين لا بعده إلّا على مذهب من جوّز من العامّة خلوّ الواقعة عن حكم.
المجتهدون، إنّ- خبر لقولنا: و حاصل ما أفاده- التمسّك بالبراءة الأصليّة إنّما يجوز قبل إكمال الدين بعد الالتزام بأحد أمرين على نحو منع الخلوّ، أي:
إمّا القول بإنكار الحسن و القبح العقليّين، كما عليه الأشاعرة.
و إمّا إنكار الملازمة بين حكم العقل و الشرع كما هو الحقّ عند الأخباريّين، إذ أكثر الوقائع كانت قبل إكمال الدين خالية عن الحكم الشرعي، فيمكن الظن فيها بانتفاء الحرمة أو الوجوب واقعا بمقتضى استصحاب البراءة الأصليّة، لانتفائهما سابقا و عدم الدليل عليهما عقلا و شرعا، لأنّ العقل لم يحكم بالحسن و القبح على عقيدة الأشاعرة، أو يحكم بهما، إلّا إنّ الشرع لا يحكم بالحرمة أو الوجوب على القول بعدم الملازمة بينهما، فيحكم بانتفاء الحرمة في محتمل الحرمة بالبراءة الأصليّة، و انتفاء الوجوب في محتمل الوجوب بها.
و الحاصل أنّ التمسّك بالبراءة الأصليّة مبنيّ على أمر باطل بالضرورة و الوجدان، و هو عدم إكمال الدين، و خلوّ بعض الوقائع عن الحكم الشرعي، و قد تواترت الأخبار بأنّ ما من واقعة إلّا و قد تعلّق بها حكم شرعي، كما هو المستفاد من قول النبي ٦ في خطبة الوداع، حيث قال ٦:
(ما من شيء يقرّبكم إلى الجنة إلّا و قد أمرتكم به، و ما من شيء يقرّبكم إلى النار إلّا و قد نهيتكم عنه) [١].
فلا يصحّ التمسّك بالبراءة الأصليّة بعد إكمال الدين، و على القول بالملازمة
[١] الكافي ٢: ٧٤/ ٢. الوسائل ١٧: ٤٤، أبواب مقدمات التجارة، ب ١٢، ح ٢.