دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٨٩ - الخامس أنّ العقل إذا لم يستقلّ بوجوب دفع العقاب المحتمل عند كثرة المحتملات، فليس ما يوجب على المكلّف الاجتناب من كلّ محتمل
و إن شئت قلت: إنّ ارتكاب المحتمل في الشبهة الغير المحصورة لا يكون عند العقلاء، إلّا كارتكاب الشبهة غير المقرونة بالعلم الإجمالي، و كأنّ ما ذكره الإمام ٧ في الرواية المتقدّمة من قوله: (أ من أجل مكان واحد) [١] الخبر، بناء على أنّ الاستدلال به إشارة إلى هذا المعنى، حيث جعل كون حرمة الجبن في مكان واحد، منشأ لحرمة جميع محتملاته الغير المحصورة من المنكرات المعلومة عند العقلاء التي لا ينبغي للمخاطب أن يقبلها، كما يشهد بذلك كلمة
لأجل وجوب دفع الضرر ... إلى آخره).
و تقريب هذا الوجه على أصالة البراءة في الشبهة غير المحصورة بأحد وجهين على ما يظهر من كلام المصنّف (قدّس سرّه):
أحدهما: إنّ المانع من أصالة البراءة في مورد العلم الإجمالي بوجود الحرام، هو حكم العقل بوجوب الاجتناب عن أطراف العلم الإجمالي من باب وجوب المقدّمة العلميّة دفعا للعقاب المحتمل في كلّ طرف من أطراف العلم الإجمالي.
و من المعلوم أنّ وجوب الاجتناب عن أطراف الشبهة دفعا للعقاب المحتمل إنّما يتمّ في الشبهة المحصورة، لأنّ احتمال العقاب في كلّ من الطرفين احتمال عقلائي يحكم العقل و العقلاء بوجوب دفعه من باب المقدّمة العلميّة، و لكنّه لا يتمّ في الشبهة غير المحصورة؛ و ذلك لأنّ احتمال العقاب في كلّ من أطراف الشبهة غير المحصورة يكون في غاية الضعف لكثرة المحتملات، فلا يجب دفعه- حينئذ- من باب المقدّمة العلميّة، و لذلك تجري فيه أصالة البراءة على ما في شرح الاستاذ الاعتمادي دام ظله.
و ثانيهما: إنّ كثرة الاحتمالات في أطراف العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة توجب تنزيل العلم الإجمالي منزلة العدم، فتكون الشبهة غير المحصورة- حينئذ- كالشبهة البدويّة تجري فيها أصالة البراءة، كما تجري في الشبهة البدويّة، كما أشار إليه المصنّف (قدّس سرّه) بقوله:
(و إن شئت قلت: إنّ ارتكاب المحتمل في الشبهة الغير المحصورة لا يكون عند العقلاء، إلّا كارتكاب الشبهة غير المقرونة بالعلم الإجمالي).
[١] المحاسن ٢: ٢٩٦/ ١٩٧٦. الوسائل ٢٥: ١١٩، أبواب الأطعمة المباحة، ب ١٦، ح ٥.