دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٤٨ - (الثاني إنّه لا إشكال في رجحان الاحتياط بالفعل حتى فيما احتمل كراهته
و يحتمل الجريان بناء على أن هذا المقدار من الحسن العقلي يكفي في العبادة و منع توقّفها على ورود أمر بها.
العلم بالتكاليف، أو حكميّة كموارد الشكّ فيها- معلولا للحكم الشرعي، و إلّا لا معنى للإطاعة أصلا.
فإن ورد أمر من الشارع بالاحتياط في موارد الشكّ في التكليف، و بالإطاعة في موارد العلم به كقوله تعالى: وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ* كان إرشاديا، فلا يترتّب على موافقته و لا على مخالفته إلّا ما يترتّب على وجود المأمور به و عدمه، كما هو شأن الأوامر الإرشاديّة.
و بالجملة، الأمر بالاحتياط على فرض الأمر به إرشادي، لا ينفع في جعل الشيء عبادة، فعباديّة الدعاء لا تحصل بالأمر بالاحتياط، كما أنّ عباديّة الصلاة لا تحصل من الأمر بالإطاعة في قوله تعالى: وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ* بل تتحقّق عباديّتها بالأمر المولوي المتعلّق بنفس الصلاة في قوله تعالى: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ [١] و في قول النبيّ ٦: (صلّوا كما رأيتموني اصلّي) [٢].
و منها: ما أشار إليه بقوله: (و يحتمل الجريان بناء على أنّ هذا المقدار من الحسن العقلي يكفي في العبادة و منع توقّفها على ورود أمر بها).
و ملخّص هذا الوجه لجريان الاحتياط في العبادات هو كفاية مطلق الحسن العقلي في كون الشيء عبادة، و لا يحتاج إلى الأمر المتعلّق بها و لو احتمالا، حتى يتوقّف الاحتياط فيها على قصد امتثال ذلك الأمر، بل يكفي في الاحتياط في العبادة إتيان محتمل الوجوب بداعي كونه محبوبا للمولى، و إن لم يكن مأمورا به في الواقع، و لكنه مردود بما ذكرنا في الجواب عن الوجه الأوّل و الثاني، من أنّ حكم العقل بحسن الاحتياط يتوقّف على تحقّقه.
و حينئذ لو قلنا بأنّ تحقّق الاحتياط موقوف على حكم العقل بالحسن لزم الدور- كما لا يخفى- فالأولى أن يقال: إنّ حكم العقل بحسن الاحتياط مختصّ بالاحتياط في التوصّليّات فقط.
[١] الروم: ٣١.
[٢] غوالي اللآلئ ١: ١٩٨/ ٨. البحار ٨٢: ٢٧٩. صحيح البخاري ١: ٢٢٦/ ٦٠٥.