دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢١٥ - الثاني إنّ وجوب الاجتناب عن كلّ من المشتبهين هل هو إرشادي أو مولوي
و المفروض أنّ الظنّ في باب الضرر طريق شرعي، فالمقدم مع الظنّ كالمقدم مع القطع مستحقّ للعقاب كما لو ظنّ سائر المحرّمات بالظنّ المعتبر.
نعم، لو شكّ في هذا الضرر يرجع إلى أصالة الإباحة و عدم الضرر، لعدم استحالة ترخيص الشارع في الإقدام على الضرر الدنيوي المقطوع، إذا كان في الترخيص مصلحة اخرويّة فيجوز ترخيصه بالإقدام على المحتمل لمصلحة و لو كانت تسهيل الأمر على المكلّف
مخالفته العقاب، و إن لم يقع المكلّف في الضرر، فكيف يمكن أن يقال: بأنّ مخالفة الضرر الاخروي مع القطع به لا يترتّب عليها العقاب لكون الأمر بوجوب دفع الضرر الاخروي إرشاديّا، فإذا لم يقتض ارتكاب الضرر المقطوع ترتّب العقاب لا يقتضي ارتكاب الضرر المظنون ترتّب العقاب بطريق أولى، مع أنّ الفقهاء حكموا بترتّب العقاب على ارتكاب الضرر المظنون الدنيوي؟!
و حاصل الجواب عن هذا التوهّم، هو الفرق بين الضرر الاخروي حيث يكون وجوبه إرشاديّا، و إن كان الضرر مقطوعا، و بين الضرر الدنيوي حيث يكون وجوبه مولويا، و إن كان مظنونا، و قد أشار إليه المصنّف (قدّس سرّه) بقوله:
(فهو خارج عمّا نحن فيه).
لأنّ ما نحن فيه هو الضرر الاخروي الذي لا يكون وجوب دفعه إلّا إرشاديّا سواء كان الضرر قطعيّا أو ظنيّا أو احتماليّا، و أمّا الضرر الدنيوي فارتكابه حرام شرعا، سواء كان معلوما أو مظنونا، لأنّ الظنّ طريق شرعي في باب الضرر.
(فالمقدم مع الظنّ كالمقدم مع القطع مستحق للعقاب).
فكما أنّ المقدم مع القطع بالضرر الدنيوي مستحقّ للعقاب، كذلك المقدم مع الظنّ به مستحقّ للعقاب، لأنّ الشارع جعل الضرر الدنيوي من جملة المحرّمات كالخمر، و جعل الظنّ طريقا إليه، كما جعله طريقا إلى سائر المحرّمات.
و بالجملة، إنّ العقل و إن كان يحكم بوجوب دفع الضرر الدنيوي- مقطوعا كان، أو مظنونا- بوجوب إرشادي، إلّا أنّ حكم الشرع الملازم لحكم العقل في الضرر الدنيوي مولوي.
(نعم، لو شكّ في هذا الضرر يرجع إلى أصالة الإباحة ... إلى آخره).