دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٧٩ - ثانيهما و هو وجوب الموافقة القطعيّة و عدمه
الحكم في تعارض كلّ أصلين إذا لم يكن أحدهما حاكما على الآخر هو التساقط، لا التخيير.
فإن قلت: قوله: (كلّ شيء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام) [١] و نحوه، يستفاد منه حلّية المشتبهات بالشبهة المجرّدة عن العلم الإجمالي جميعا، و حلّية الشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي على البدل، لأنّ الرخصة في كلّ شبهة مجرّدة لا تنافي الرخصة في غيرها، لاحتمال كون الجميع حلالا في الواقع. فالبناء على كون هذا المشتبه بالخمر خلّا، لا ينافي البناء على كون المشتبه الآخر خلّا.
و أمّا الرخصة في شبهة مقرونة بالعلم الإجمالي و البناء على كونه خلّا لمّا تستلزم وجوب
الاجتناب عن الحرام الواقعي، فيجب الاجتناب عن كلا المشتبهين، و هو المطلوب.
(فلا يبقى مجال للإذن في فعل أحدهما) لما عرفت من حكومة قاعدة الاشتغال على أصالة الحلّ، و أنّ الحكم في تعارض الأصلين إذا لم يكن أحدهما حاكما على الآخر هو التساقط لا التخيير.
و منها: ما أشار إليه بقوله: (فإن قلت: قوله: (كلّ شيء لك حلال حتى تعرف أنّه حرام) ... إلى آخره).
أي: و من الوجوه التي استدلّ بها على عدم وجوب الموافقة القطعيّة هو ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) بقوله: (فإن قلت).
و حاصل هذا الوجه هو أنّ أخبار الحلّ، كما تدلّ على الحلّية في المشتبهات بالشبهة المجرّدة عن العلم الإجمالي جميعا، كذلك تدلّ على حلّية المشتبهات بالشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، و حينئذ يقع التعارض بينها، و بين قاعدة الاشتغال في مورد العلم الإجمالي، و لأنّ مقتضى قاعدة الاشتغال هو وجوب الاجتناب عن الجميع، و مقتضى عموم أدلّة الحلّ هو جواز الارتكاب في الجميع، و مقتضى الجمع بينهما هو إبقاء مقدار الحرام، و ارتكاب الباقي، و لازم هذا الجمع هو حلّية أحد المشتبهين على البدل تخييرا، و حرمة الآخر ظاهرا.
ثمّ إنّ التخيير لم يكن مدلولا لأخبار الحلّ، حتى يقال: إنّه مستلزم لاستعمالها في
[١] الكافي ٥: ٣١٣/ ٤٠. التهذيب ٧: ٢٢٦/ ٩٨٩. الوسائل ١٧: ٨٩، أبواب ما يكتسب به، ب ٤، ح ٤.