دروس في الرسائل - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ١٥٦ - أحدهما هل يجوز المخالفة القطعية أم لا
فإن قلت: إذن الشارع في فعل المحرّم مع علم المكلّف بتحريمه إنّما ينافي حكم العقل من حيث إنّه إذن في المعصية و المخالفة، و هو إنّما يقبح مع علم المكلّف بتحقّق المعصية حين ارتكابها حينئذ.
و الإذن في ارتكاب المشتبهين ليس كذلك إذا كان على التدريج، بل هو إذن في المخالفة مع عدم علم المكلّف بها إلّا بعدها، و ليس في العقل ما يقبّح ذلك و إلّا لقبح الإذن في ارتكاب جميع المشتبهات بالشبهة غير المحصورة أو في ارتكاب مقدار يعلم عادة بكون الحرام فيها،
منافيا لحكم العقل بوجوب الامتثال و الإطاعة، لأنّ إذنه ترخيص في المعصية، فينافي حكم العقل بقبح المعصية و وجوب الإطاعة.
(فإن قلت: إذن الشارع في فعل المحرّم مع علم المكلّف بتحريمه إنّما ينافي حكم العقل من حيث إنّه إذن في المعصية و المخالفة، و هو إنّما يقبح مع علم المكلّف بتحقّق المعصية حين ارتكابها حينئذ).
و حاصل الإشكال، هو أنّ ما ذكرت- من أنّ إذن الشارع و ترخيصه في ارتكاب كلا المشتبهين ترخيص في المعصية، فينافي حكم العقل بقبح المعصية- صحيح في الجملة، أي: فيما إذا كان الارتكاب معصية في علم المكلّف حين الارتكاب، بأن يرتكب المشتبهين دفعة، و لا يتحقّق ذلك فيما إذا كان الارتكاب تدريجا، لعدم علم المكلّف حين الارتكاب بكونه معصية و مخالفة.
نعم، يحصل له العلم بالمعصية و المخالفة بعد ارتكاب جميع الأطراف تدريجا، إلّا أنّه لا يكفي مجرّد العلم بالمخالفة و لو بعد الارتكاب في حكم العقل بالقبح.
و لهذا ذهب غير واحد من الاصوليّين إلى جواز ارتكاب المشتبهين بالتدريج، و لا يكون ما ذكرت من التنافي بين ترخيص الشارع و حكم العقل ردّا لهذا القول، نعم يكون ردّا لمن يقول بجواز الارتكاب مطلقا، كما لا يخفى.
و بالجملة، إنّ إذن الشارع في المخالفة مع عدم علم المكلّف بها ليس قبيحا عقلا، حتى ينافي حكم العقل بالقبح، و الشاهد عليه وقوع نظائره في الشرع، فإنّه لو كان إذن الشارع في المخالفة مطلقا قبيحا، لكان إذنه في ارتكاب جميع المشتبهات بالشبهة غير المحصورة قبيحا كذلك، و كان إذنه في ارتكاب مقدار يعلم عادة بكون الحرام فيها قبيحا