الرسالة القشيرية - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٤٦ - باب الفراسة
و سئل أبو الحسن النورى: من أين تولدت فراسة المتفرسين؟
فقال: من قوله تعالى: (وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي)،[١] فمن كان حظه من ذلك النور أتم، كانت مشاهدته أحكم، و حكمه بالفراسة أصدق، ألا ترى كيف أوجب نفخ الروح فيه[٢] السجود له بقوله تعالى:
(فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ).
و هذا الكلام من أبى الحسن النورى فيه أدنى غموض و إبهام؛ يذكر نفخ الروح[٣]، لتصويب من يقول بقدم الأرواح، و لا كما يلوح لقلوب المستضعفين فان الذى يصح عليه النفخ و الاتصال و الانفصال فهو قابل للتأثير و التغيير، و ذلك من سمات الحدوث، و أن اللّه، سبحانه و تعالى، خص المؤمنين ببصائر و أنوار بها يتفرسون، و هى فى الحقيقة معارف، و عليه يحمل قوله صلى اللّه عليه و سلم:
(فانه ينظر بنور اللّه) أى بعلم و بصيرة يخصه اللّه تعالى به و يفرده به من دون أشكاله، و تسمية العلوم و البصائر أنوارا: غير مستبدع، و لا يبعد وصف ذلك بالنفخ، و المراد منه: الخلق.
و قال الحسين بن منصور:
المتفرس هو المصيب بأول مرماه إلى مقصده، و لا يعرج على تأويل و ظن و حسبان.
و قيل: فراسة المريدين تكون ظنا يوجب تحقيقا[٤]، و فراسة العارفين تحقيق يوجب حقيقة.
و قال أحمد بن عاصم الأنطاكى:
إذا جالستم أهل الصدق فجالسوهم بالصدق؛ فانهم جواسيس القلوب؛ يدخلون فى قلوبكم و يخرجون منها من حيث لا تحسون.
سمعت محمد بن الحسين رحمه اللّه، يقول: سمعت منصور بن عبد اللّه يقول:
سمعت الخلدى يقول: سمعت أبا جعفر الحداد يقول: الفراسة أول خاطر بلا معارض؛ فان عارض معارض من جنسه فهو خاطر و حديث نفس.
[١] - آية ٢٩ من سورة الحجر و آية ٧٢ من سورة ص.
[٢] - أى فى آدم.
[٣] - أى لجعل نفخ الروح هو السبب الموجب لسجود الملائكة.
[٤] - أى يقينا.